الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٢٩ - ذكر تقديم خالد بن الوليد الطلائع أمامه من البطاح
و لكنا لم نجد المعول إلا عليهم و لا الصبر إلا عندهم، فصفوا جميعا فى نحر العدو، و جاءت الأعراب من خلفهم، و ذهبت حنيفة تطلب أن تهزمهم كما كانت تفعل، فثبتوا على مصافهم لا تزول فترا، و اختلفت السيوف بينهم، و صبر الفريقان جميعا، و ذهب الأعراب من ورائنا، فحملنا عليهم حملة، فما زادت حنيفة على أن رجعت القهقرى ما تولى الأدبار، حتى وقفوا على باب الحديقة، و اختلفت السيوف بيننا و بينهم حتى نظرت إلى شهب النار، و حتى صارت القتلى منا و منهم ركاما، و قد أغلقت الحديقة، فدخل من (رحمه الله) فشغلهم عن الباب حتى دخلنا.
فإذا أهل السوابق قد وطئوا أنفسهم على الموت، فما هو إلا أن عاينتهم حنيفة فى الحديقة، فناديت أصحابى: عضوا على النواجذ، لا أسمع شيئا إلا وقع الحديد بعضه على بعض، فما كان شيء حتى قتل عدو الله، فما ضرب أحد بعده من بنى حنيفة بسيف، و لقد صبروا لنا من حين طلعت الشمس إلى صلاة العصر، و لقد رأيتنى فى الحديقة و عانقنى رجل منهم و أنا فارس و هو فارس، فوقعنا عن فرسينا، ثم تعانقنا بالأرض، فأجؤه بخنجر فى سيفى، و جعل يجؤنى بمعول فى سيفه، فجرحنى سبع جراحات، و قد جرحته جرحا أثبته، فاسترخى فى يدى، و ما بى حركة من الجراح، و قد نزفت من الدم إلا أنه سبقنى بالأجل، فالحمد لله على ذلك.
و حدث ضمرة بن سعيد: أنه خلص يومئذ إلى محكم بن طفيل و هو يقول: يا بنى حنيفة قاتلوا قبل أن تستحقب الكرائم غير رضيات، و ينكحن غير حظيات، و ما كان عندكم من حسب فأخرجوه، فقد لحم الأمر، و احتيج إلى ذلك منكم، و جعل يقول: يا بنى حنيفة ادخلوا الحديقة، سأمنع دابركم، و جعل يرتجز:
لبئسما أوردنا مسيلمة* * * أورثنا من بعده أغيلمة
فدخلوا الحديقة و غلقوها عليهم، و رمى عبد الرحمن بن أبى بكر محكما بسهم فقتله، فقام مكانه المعترض ابن عمه، فقاتل ساعة حتى قتله الله.
و فى غير حديث ضمرة أن خالد بن الوليد هو الذي قتل محكما.
حدث الحارث بن الفضل، قال: لما رأى محكم بن طفيل من قتل قومه ما رأى، جعل يصيح: ادن يا أبا سليمان، فقد جاءك الموت الناقع، قد جاءك قوم لا يحسنون الفرار، فبلغ خالدا كلمته و هو فى مؤخر الناس، فأقبل يقول: هأنذا أبو سليمان، و كشف المغفر عن وجهه، ثم حمل على ناحية محكم يخوف بنى حنيفة، فاقتحم عليه خالد، فيضربه