المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٦ - كتابة إلى إسحاق بن إبراهيم بامتحان القضاة
و العمل بالحقّ في رعيّتهم و التشمير لطاعة اللَّه فيهم، و اللَّه يسأل أمير المؤمنين أن يوفقه لعزيمة الرّشد و صريمته، و الإقساط فيما ولّاه اللَّه من رعيته برحمته و منّته، و قد عرف أمير المؤمنين أنّ السواد [١] الأعظم من حشو الرعية و سفلة العامة ممن لا نظر له و لا رويّة و لا استدلال له بدلالة اللَّه و هدايته و لا استضاء [٢] بنور العلم و برهانه في جميع الأقطار و الآفاق، أهل جهالة باللَّه، و عمى عنه، و ضلالة عن حقيقة دينه و توحيده و الإيمان به، و نكوب عن واضحات أعلامه، و واجب سبيله، و قصور أن يقدروا اللَّه حقّ قدره، و يعرفونه كنه معرفته [٣]، و يفرّقوا بينه و بين خلقه، لضعف آرائهم، و نقص عقولهم ٩/ أ و جفائهم عن التفكير و التذكير [٤]، و ذلك [٥] أنهم ساووا [٦] بين اللَّه/ عز و جل و بين ما أنزل من القرآن، فاطبقوا مجتمعين، و اتّفقوا غير متعاجمين، على أنه قديم أوّل لم يخلقه اللَّه و يحدثه و يخترعه، و قد قال تعالى [٧] في محكم كتابه: الّذي جعله لما في الصدور شفاء، و للمؤمنين رحمة و هدى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [٨] فكلّ ما [٩] جعله اللَّه فقد خلقه.
و قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ، وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ [١٠].
و قال عزّ و جلّ: كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ [١١] فأخبر أنه قصص لأمور تلا به متقدّمها.
و قال: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [١٢] و كل محكم [١٣] مفصّل فله محكم و مفصّل [١٤]، و اللَّه محكم كتابه و مفصّله؛ فهو خالقه و مبتدعه.
[١] في ت: «أن الجمهور الأعظم و السواد الأكبر».
[٢] في ت: «الاستضاء».
[٣] في الطبري: «و يعرفوه كنه معرفته».
[٤] في الطبري: «التفكر و التذكر».
[٥] «و ذلك» ساقطة من ت.
[٦] في ت: «ساوا».
[٧] في ت: «و قد قال اللَّه عز و جل».
[٨] سورة: الزخرف، الآية: ٣.
[٩] في الأصل: «فكلما».
[١٠] سورة: الأنعام، الآية: ١.
[١١] سورة: طه، الآية: ٩٩.
[١٢] سورة: هود، الآية: ١.
[١٣] «محكم» ساقطة من ت.
[١٤] «مفصل» ساقطة من ت.