الرسائل الرجالية - الكلباسي، أبو المعالي - الصفحة ٥٤٥ - ديباجة كتاب«مشارق الشموس»
العلوم على شرف جلّتها و رفعة مكانتها و حلّتها متفاضلة في مدى الفخار، متفاوتة في المزايا و الآثار، و أشرفها دراية و رواية، و أفضلها معلوما و غاية، و أسدّها دليلا و حجّة، و أوضحها منارا و محجة، و أعظمها للراغب منفعة، و أورثها للطالب رفعة بعد علم المعرفة علم الفقه، الذي به يعرف ما كلّف به العباد، و يفرّق بين الغيّ و الرشاد، و يميّز بين ما ينجي و يوثق يوم التناد، و منه يشرح آيات كلام ربّ العالمين، و يوضح سنن خير المرسلين، و آثار عترته الطاهرين، و به تنال السعادة الأبديّة، و يدرك الفوز بالحياة السرمديّة، فمن تمسّك بالفقه الأحمدي فله البشرى، و هو الفاخر بنيل منتهى المطلب في الآخرة و الأولى، و الفقيه الذي فاز باستبصار كاف في تهذيب عمله، و المهذّب الجامع لخصال أدرك بها غاية مراده و أمله.
و لمّا كان كتاب الدروس الشرعية في الفقه الإماميّة- من تصانيف شيخنا الأجل المحقّق و الحبر المسدّد المدقّق، أفضل المتأخّرين و أكمل المتبحّرين، عمدة علماء الفرقة الناجية، بل الذي لم يظفر بمثله في القرون الماضية، الحائز لمرتبة السعادة، الفائز بمنقبة الشهادة، محمّد بن مكّي- أعلى اللّه درجته كما شرف خاتمته- أحسن الكتب المصنّفة تحقيقا و تهذيبا، و أتقن الرسائل المؤلّفة تدقيقا و تقريبا، و أكثرها اشتمالا على الفروع التي تعمّ بها البلوى، و أسدّها تنقيحا للمسائل التي تشتدّ الحاجة إليها، أحببنا أن نشرحه شرحا، يوضح مقاصده الدقيقة، و يجلى مطالبه الأنيقة، و يبيّن حقائق أنظاره، و يظهر دقائق أفكاره، غير مقتصرين على حلّ الكتاب و بيان مبانيه، و لا مكتفين بكشف الحجاب عن عرائس معانيه، بل أوضحنا في كلّ مسألة مقاصد من تكلّم فيها، و أشبعنا القول فيما يصحّ أن يقال لها أو عليها، و أوردنا من الأدلّة ما أمكن بلوغ الفهم إليها، و أطلنا النظر في متن كلّ دليل و سنده، و أجلنا الفكر في