حكم النبى الأعظم - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٥١٢ - حاجة العقل والفطرة إلى الوحي
الواجبات الدينيّة ما هي في الحقيقة إلّا دعوة لتطبيق المكارم وتحقيق الخيرات، والمحرّمات الدينيّة ما هي في حقيقتها إلّا زجر عن السيّئات والمآثم. من هذه الزاوية، يقول الإمام عليّ عليه السلام:" لَو لَم يَنْهَ اللّهُ عَن مَحارِمِهِ لَوَجَبَ أن يَجتَنِبَهَا العاقِلُ".[١] على هذا الأساس، يتبيّن أنّ لمحكمة الوجدان القدرة على الفصل في بعض المواضع بصحّة الأحاديث الدائرة حيال الضوابط الإسلاميّة أو زيفها، ومدى صحّة انتسابها إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله أو إلى أهل بيته، علاوة على أهليّتها في تشخيص الحَسن والقبيح، ودورها الأساسي في تمييز الخير والشرّ. مردّ ذلك أنّه لا يصدر عن اولئك المكرّمين قطعا ما يتنافى مع منطق العقل والفطرة. ولذا جاء في الحديث عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله قوله:
إذا سَمِعتُمُ الحَديثَ عَنّي تَعرِفُهُ قُلوبُكُم وتَلينُ لَهُ أشعارُكُم وأبشارُكُم، وتَرَونَ أنَّهُ مِنكُم قَريبٌ فَأَنَا أولاكُم بِهِ، وإذا سَمِعتُمُ الحَديثَ عَنّي تُنكِرُهُ قُلُوبُكُم وتَنفِرُ مِنهُ أشعارُكُم وأبشارُكُم، وتَرَونَ أنَّهُ بَعيدٌ عَنكُم فَأَنَا أبعَدُكُم مِنهُ.[٢]
حاجة العقل والفطرة إلى الوحي
ثمّ نقطة على غاية قصوى من الأهمية وتستحقّ الكثير من الدقّة، تتمثّل في أنّ العقل والفطرة غير قادرين على تشخيص موارد الخير والشرّ ومصاديقهما كافّة؛ لأنّهما لا يحيطان بجميع المصالح والمفاسد، بل أكثر من ذلك، فقد يظنّ الإنسان أنّ أمرا ما هو" خير" نتيجة الفته به، كما قد يحسب أنّ أمرا آخر هو" شرّ" لغياب
[١] غرر الحكم: ح ٧٥٩٥.
[٢] مسند أحمد: ج ٩ ص ١٥٤ ح ٢٣٦٦٧ و ج ٥ ص ٤٣٤ ح ١٦٠٥٨، كما رُوي مثلهما عن أبي حميد وأبي سعيد؛ كنز العمّال: ج ١ ص ١٧٨ ح ٩٠٢.