منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٩١ - المعنى
يعني أنّ المال و البنين يتفاخر بهما في الدنيا و يتزيّن بهما فيها و لا ينفعان في الآخرة اذ لا يبقى شيء منهما للانسان فينتفع به فيها، و الأعمال الصّالحة و الطاعة الحسنة التي تبقى ثوابها أفضل ثوابا عند اللّه من المال و البنين و أصدق أملا من زهرات الدّنيا و زخارفها، لأنّها أمل لا يكذب فيها يؤمّل الثّواب و ينجى من أليم العقاب و قوله (ابتلى النّاس بها فتنة) اشارة الى أنّ الدّنيا دار ابتلاء و امتحان، و أنّ اللّه ابتلى عباده فيها تارة بالمسارّ ليشكروا تارة بالمضارّ ليصبروا قال الشّاعر:
|
ألا انّما الدنيا بلاء و فتنة |
على كلّ حال أقبلت أو تولّت |
|
فصارت المنحة و المحنة كلاهما بلاء، فالمنحة مقتضية للشكر، و المحنة مقتضية للصّبر كما قال تعالى:
وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ قال الطبرسي: اى نعاملكم معاملة المختبر بالفقر و الغنا و السّراء و الضرّاء و الشّدّة و الرخاء، و قيل ممّا تكرهون و ما تحبّون ليظهر صبركم فيما تكرهون و شكركم فيما تحبّون، و قيل: الشرّ غلبة الهوى على النّفس و الخير العصمة عن المعاصى و اعلم أنّ أصل الابتلاء و الاختبار أن يراد به الوقوف على حال المختبر بفتح الباء و الاطلاع على ما يجهل من أمره، و قد يراد به إظهار جودته و ردائته و ربما يقصد به الأمران، و لمّا كان الأوّل محالا في حقه تعالى لاستلزامه الجهل لا بدّ أن يراد به حيثما نسب الابتلاء إليه سبحانه المعنى الثاني، فاذا قيل: بلاه اللّه بكذا و ابتلاه فليس المراد إلّا اظهار حسن طينته و خبث سريرته دون التعرّف لحاله و الوقوف على ما يجهل منه و على هذا يحمل الآيات القرآنيّة مثل نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ الآية وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ.
و ربما يحمل على معنى ثالث قال في الكشاف في تفسير الآية الأخيرة: اختبره بأوامر و نواهي و اختبار اللّه عبده مجاز عن تمكينه من اختيار أحد الأمرين ما يريد اللّه