منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٩٢ - المعنى
و ما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك و قال الطبرسيّ في تفسيرها أى اختبر إبراهيم و هو مجاز و حقيقته أنّه أمر إبراهيم ربّه و كلّفه و سمّى ذلك اختبارا لأنّ ما يستعمل الأمر منافي مثل ذلك يجرى على جهة الاختبار و الامتحان فاجرى على امره اسم امور العباد توسّعا، و أيضا فانّ اللّه لمّا عامل عباده معاملة المبتلى المختبر إذ لا يجازيهم على ما يعلمه منهم أنّهم سيفعلونه قبل أن يقع ذلك الفعل منهم كما لا يجازى المختبر للغير ما لم يقع الفعل منه، سمّى أمره ابتلاء هذا و لمّا ظهر أنّ الدّنيا و ما فيها إنّما خلقت لاختبار النّاس و ابتلائهم لا بدّ و أن يكون همّتهم فيها مصروفة إلى ما هو محصّل للسّعادة في الآخرة حتّى يخلصوا عن قالب الامتحان، و يستحقّوا الدّرجات الرّفيعة العليّة، و لا يكون نظرهم مقصورا على عاجل زهراتها الخسيسة الدّنيّة (ف) انّ (ما أخذوه منها لها اخرجوا منه و حوسبوا عليه و ما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه و أقاموا فيه) و من المعلوم أنّ العاقل لا يرجّح ما هي سريعة الانقراض و الانقضاء مشرفة على الزّوال و الفناء على ما هي دائمة البقاء خصوصا إذا كانت الفانية حقيرة خسيسة و الباقية خطيرة نفيسة، و ذلك لأنّ خيرات الدّنيا حسيّة و خيرات العقبا عقليّة و العقليّة أشرف من الحسّيه بمراتب كثيرة لا سيّما إذا كانت الدّنيويّة محاسبا عليها مسؤولا عنها قال أبو عبد اللّه ٧: في رواية الكافي فيما وعظ به لقمان ابنه: يا بنىّ إنّ النّاس قد جمعوا قبلك لأولادهم فلم يبق ما جمعوا و لم يبق من جمعوا له و إنّما أنت عبد مستأجر قد امرت بعمل و وعدت عليه أجرا، فأوف عملك و استوف أجرك، و لا تكن في هذه الدّنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر فأكلت حتّى سمنت فكان حتفها عند سمنها، و لكن اجعل الدّنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها و تركتها و لم ترجع إليها آخر الدّهر أخربها و لا تعمرها فانّك لم تؤمر بعمارتها و اعلم أنّك ستسأل غدا إذا وقفت بين يدي اللّه عزّ و جلّ عن أربع: شبابك فيما أبليته، و عمرك فيما أفنيته، و مالك ممّا اكتسبته، و فيما أنفقته فتأهّب لذلك و أعدّ له