منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٩٣ - تبصرة
الأوّل يستعمل فطنته في استخراج وجوه الحيلة لجلب منفعة دنيويّة و إن خالفت القوانين الشّرعيّة، و الكيّس يستعمل تفطنه في استنباط وجوه المصالح الكلية على وجه لا يخالف قواعد الشّريعة، فلدقّة الفرق استعمل الغادرون غدرهم في موضع الكيس و نسبهم أهل الجهالة و الغفلة إلى صحّة الرأى و حسن الحيلة، كما كانوا يقولون في عمرو بن العاص و المغيرة بن شعبة و لم يعلموا أنّ حيلة الغادر تخرجه إلى رذيلة الفجور و أنّه لا حسن في حيلة جرّت الى رذيلة.
(ما لهم) اى لهؤلاء الغادرين في افتخارهم بغدرهم (قاتلهم اللّه) و أبعدهم من رحمته (قد يرى الحوّل القلّب) أى كثير البصيرة في تحويل الامور و تقليبها لاستنباط وجوه المصالح، و أراد به نفسه الشّريف و مقصوده أنّ الغدر و الخديعة ليس قابلا لأنّ يفتخر به فانّ صاحب البصيرة ربّما يعرف (وجه الحيلة) كأنّه يراه عيانا (و) مع ذلك لا يقدم عليها لما يشاهد أنّ (دونها) أى دون الحيلة و العمل بها (مانع من أمر اللّه) بتركها (و نهيه) عن فعلها (فيدعها) و يتركها (رأى عين) أى مع رؤيته عيانا (بعد القدرة عليها) و تمكّنه منها تجنّبا من الرّذايل الموبقة و خوفا من اللّه سبحانه (و ينتهز فرصتها) و يبادر إليها (من لا حريجة له في الدّين) و لا مبالاة له في أوامر الشّرع المبين و لا خوف له من اللّه ربّ العالمين.
تبصرة
قد عرفت حسن الوفاء و أنّه ممّا يترتب عليه المدح و الثّواب، و قبح الغدر و أنّه ممّا يترتب عليه اللّوم و العقاب، فيكون الأوّل واجبا سواء كان في عهود اللّه سبحانه أو عهود الخلق، و الآخر حراما، و قد اشير إلى ذلك المعنى في غير موضع من القرآن و وردت بذلك أخبار كثيرة و لا بأس بالاشارة إلى بعضها فانّ الاستقصاء غير ممكن.
فأقول: قال سبحانه في سورة المائدة:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ