الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٨١ - تذنيب في حديث عنوان البصري
و يرزقني من علمك و أرجو أن اللّه تعالى أجابني في الشريف ما سألته. فقال:
«يا أبا عبد اللّه، ليس العلم بالتعلم إنما هو نور يقع في قلب من يريد اللّه تبارك و تعالى أن يهديه، فإن أردت العلم، فاطلب أولا في نفسك حقيقة العبودية، و اطلب العلم باستعماله، و استفهم اللّه يفهمك». قلت: يا شريف. فقال: «قل: يا أبا عبد اللّه»: قلت:
يا أبا عبد اللّه [١] ما حقيقة العبودية؟ قال: «ثلاثة أشياء: أ لا يرى العبد [لنفسه فيما] [٢] خوّله اللّه ملكا؛ لأن العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال اللّه يضعونه حيث أمرهم اللّه به، و لا يدبر العبد لنفسه تدبيرا، و جملة اشتغاله فيما أمره اللّه تعالى به و نهاه عنه. فإذا لم ير العبد لنفسه فيما خوّله اللّه تعالى ملكا هان عليه الإنفاق فيما أمره اللّه تعالى أن ينفق فيه، فإذا فوض العبد تدبير نفسه على مدبره هان عليه مصائب الدنيا، و إذا اشتغل العبد بما أمره اللّه تعالى و نهاه، لا يتفرّغ منهما [٣] إلى المراء و المباهاة مع الناس.
فإذا أكرم اللّه العبد بهذه الثلاثة هان عليه الدنيا و إبليس و الخلق، و لا يطلب الدنيا تكاثرا و تفاخرا، و لا يطلب ما عند الناس عزّا و علوّا، و لا يدع أيامه باطلا، فهذا أول درجة التقى، قال اللّه تعالى تِلْكَ الدّٰارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهٰا لِلَّذِينَ لٰا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لٰا فَسٰاداً وَ الْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [٤]».
قلت يا أبا عبد اللّه، أوصني. قال: «أوصيك بتسعة أشياء فإنها وصيتي لمريدي الطريق إلى اللّه تعالى، و اللّه أسأل أن يوفّقك لاستعماله: ثلاثة منها في رياضة النفس، و ثلاثة منها في الحلم، و ثلاثة منها في العلم فاحفظها و إياك و التهاون بها».
قال عنوان: ففرغت قلبي له. فقال: «أما اللواتي في الرياضة، فإياك أن تأكل مالا تشتهيه، فإنه يورث الحماقة و البله. و لا تأكل إلّا عند الجوع. و إذا أكلت فكل حلالا، و سم
[١] قلت: يا أبا عبد اللّه، سقط في «ح».
[٢] من المصدر، و في النسختين: في نفسه لما.
[٣] في «ح»: يفزع منها، بدل: يتفرّغ منهما.
[٤] القصص: ٨٣.