البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٧ - باب ذكر أخلاقه و شمائله الطاهرة (صلى اللَّه عليه و سلم)
سبابا و لا لعانا و لا فاحشا، كان يقول لأحدنا عند المعاتبة: ما له تربت جبينه. و رواه البخاري عن محمد بن سنان عن فليح* و في الصحيحين و اللفظ لمسلم من حديث حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أحسن الناس و كان أجود الناس، و كان أشجع الناس، و لقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول اللَّه راجعا و قد سبقهم إلى الصوت و هو على فرس لأبى طلحة عرى في عنقه السيف و هو يقول: لم تراعوا لم تراعوا، قال: وجدناه بحرا، أو إنه لبحر، قال و كان فرسا يبطأ* ثم قال مسلم: ثنا بكر بن أبى شيبة، ثنا وكيع عن سعيد عن قتادة عن أنس قال: كان فزع بالمدينة فاستعار رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فرسا لأبى طلحة يقال له مندوب فركبه فقال: ما رأينا من فزع و إن وجدناه لبحرا، قال: كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)* و قال أبو إسحاق السبيى عن حارثة بن مضرب عن على بن أبى طالب قال: لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و كان أشد الناس بأسا* رواه أحمد و البيهقي* و تقدم في غزوة هوازن أنه (عليه السلام) لما فر جمهور أصحابه يومئذ ثبت و هو راكب بغلته و هو ينوّه باسمه الشريف يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، و هو مع ذلك يركضها إلى نحور الأعداء. و هذا في غاية ما يكون من الشجاعة العظيمة و التوكل التام (صلوات اللَّه عليه)* و في صحيح مسلم من حديث إسماعيل ابن عليّة عن عبد العزيز عن أنس قال: لما قدم رسول اللَّه المدينة أخذ أبو طلحة بيدي فانطلق بنا إلى رسول اللَّه فقال: يا رسول اللَّه إن أنسا غلام كيس فليخدمك قال: فخدمته في السفر و الحضر، و اللَّه ما قال لي لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا؟ و لا لشيء لم أصنعه لم لم تصنع هذا هكذا؟* و له من حديث سعيد بن أبى بردة عن أنس قال: خدمت رسول اللَّه تسع سنين فما أعلمه قال لي قط: لم فعلت كذا و كذا؟ و لا عاب على شيئا قط*
و له من حديث عكرمة بن عمار عن إسحاق قال أنس: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من أحسن الناس خلقا فأرسلنى يوما لحاجة فقلت: و اللَّه لا أذهب- و في نفسي أن أذهب لما أمرنى به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- فخرجت حتى أمر على صبيان و هم يلعبون في السوق فإذا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد قبض بقفاي من ورائي قال: فنظرت إليه و هو يضحك فقال: يا أنيس ذهبت حيث أمرتك؟ فقلت: نعم أنا أذهب يا رسول اللَّه.
قال أنس: و اللَّه لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته لم صنعت كذا و كذا أو لشيء تركته هلا فعلت كذا و كذا* و قال الامام أحمد: ثنا كثير، ثنا هشام، ثنا جعفر، ثنا عمران القصير عن أنس بن مالك قال: خدمت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) عشر سنين فما أمرنى بأمر فتوانيت عنه أو ضيعته فلامني، و إن لامنى أحد من أهله إلا قال:
دعوه فلو قدر- أو قال قضى- أن يكون كان* ثم رواه أحمد عن على بن ثابت عن جعفر هو ابن برقان عن عمران البصري و هو القصير عن أنس فذكره، تفرد به الامام أحمد* و قال الامام أحمد: ثنا