البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٦ - فصل في ترتيب الأخبار بالغيوب المستقبلة بعده (عليه الصلاة و السلام)
عنى و أكب على كاتبه يملى عليه، ثم قال: ألا نكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: لا أدرى ما خار اللَّه لي و رسوله؟ فأعرض عنى و أكب على كاتبه يملى عليه، قال: فنظرت فإذا في الكتاب عمر، فقلت:
لا يكتب عمر إلا في خير، ثم قال: أ نكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: نعم، فقال: يا ابن حوالة، كيف تفعل في فتنة تخرج في أطراف الأرض كأنها صياصي نفر؟ قلت: لا أدرى ما خار اللَّه لي و رسوله، قال: فكيف تفعل في أخرى تخرج بعدها كأن الأولى منها انتفاجة أرنب؟ قلت:
لا أدرى ما خار اللَّه لي و رسوله، قال: ابتغوا هذا، قال: و رجل مقفى حينئذ، قال: فانطلقت فسعيت و أخذت بمنكبه فأقبلت بوجهه إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقلت: هذا؟ قال: نعم،
قال: فإذا هو عثمان ابن عفان رضى اللَّه عنه*
و ثبت في صحيح مسلّم من حديث يحيى بن آدم عن زهير بن معاوية عن سهل عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): منعت العراق درهمها و قفيزها، و منعت الشام مدها و دينارها، و منعت مصر أردبها و دينارها، و عدتم من حيث بدأتم، و عدتم من حيث بدأتم، و عدتم من حيث بدأتم، شهد على ذلك لحم أبى هريرة و دمه*
و قال يحيى بن آدم و غيره من أهل العلم: هذا من دلائل النبوة حيث أخبر عما ضربه عمر على أرض العراق من الدراهم و القفزان، و عما ضرب من الخراج بالشام و مصر قبل وجود ذلك، (صلوات اللَّه و سلامه عليه)* و قد اختلف الناس في معنى قوله (عليه السلام): منعت العراق إلخ، فقيل: معناه أنهم يسلمون فيسقط عنهم الخراج، و رجحه البيهقي، و قيل: معناه أنهم يرجعون عن الطاعة و لا يؤدون الخراج المضروب عليهم، و لهذا قال: و عدتم من حيث بدأتم، أي رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل ذلك،
كما ثبت في صحيح مسلّم: إن الإسلام بدأ غريبا و سيعود غريبا فطوبى للغرباء*
و يؤيد هذا القول ما رواه الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل عن الجريريّ عن أبى نصرة قال: كنا عند جابر بن عبد اللَّه فقال: يوشك أهل العراق أن لا يجيء إليهم قفيز و لا درهم، قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذلك، ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجيء إليهم دينار و لا مد، قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل الروم، يمنعون ذلك، قال: ثم سكت هنيهة، ثم
قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يكون في آخر أمتى خليفة يحثى المال حثيا، لا يعده عدا،
قال الجريريّ: فقلت لأبى نصرة و أبى العلاء: أ تريانه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا* و قد رواه مسلّم من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن علية و عبد الوهاب الثقفي كلاهما عن سعيد بن إياس الجريريّ عن أبى نصرة المنذر بن مالك بن قطفة العبديّ عن جابر كما تقدم، و العجب أن الحافظ أبا بكر البيهقي احتج به على ما رجحه من أحد القولين المتقدمين، و فيما سلكه نظر، و الظاهر خلافه* و ثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، و لأهل الشام الجحفة، و لأهل اليمن يلملم، و في صحيح مسلّم عن جابر: و لأهل العراق