البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٢ - فصل فيما يذكر من صفاته (عليه السلام) في الكتب المأثورة عن الأنبياء الأقدمين
اللَّه عز و جل إلى عيسى بن مريم. جد في أمرى و لا تهزل، و اسمع و أطع يا ابن الطاهر البتول، إني خلقتك من غير فحل، و جعلتك آية للعالمين، فإياي فاعبد، و عليّ فتوكل، فبين لأهل سوران أنى أنا الحق القائم الّذي لا أزول، صدقوا بالنبيّ العربيّ، صاحب الجمل و المدرعة و العمامة و النعلين و الهراوة، الجعد الرأس، الصلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأدعج العينين، الأقنى الأنف الواضح الخدين الكث اللحية، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، ريحه المسك ينفح منه، كأن عنقه إبريق فضة، و كأن الذهب يجرى في تراقيه، له شعرات من لبته إلى سرته تجرى كالقضيب ليس على صدره و لا بطنه شعر غيره، شئن الكفين و القدم، إذا جامع الناس غمرهم، و إذا مشى كأنما ينقلع من الصخر و ينحدر في صبب ذو النسل القليل* و روى الحافظ البيهقي بسنده عن وهب بن منبه اليمامي قال: إن اللَّه عز و جل لما قرّب موسى نجيا، قال: رب إني أجد في التوراة أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و يؤمنون باللَّه، فاجعلهم أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة هم خير الأمم الآخرون من الأمم، السابقون يوم القيامة، فاجعلهم أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في التوراة أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها، و كان من قبلهم يقرءون كتبهم نظرا و لا يحفظونها، فاجعلهم أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة يؤمنون بالكتاب الأول و الآخر و يقاتلون رءوس الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة يأكلون صدقاتهم في بطونهم و كان من قبلهم إذا أخرج صدقته بعث اللَّه عليها نارا فأكلتها فان لم تقبل لا تقربها النار، فاجعلهم أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة إذا هم أحدهم بسيئة لم تكتب عليه، فان عملها كتبت عليه سيئة واحدة، و إذا هم أحدهم بحسنة و لم يعملها كتبت له حسنة، فان عملها كتب له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فاجعلهم أمتى، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في التوراة أمة هم المستجيبون و المستجاب لهم فاجعلهم أمتى، قال: تلك أمة أحمد* قال و ذكر وهب بن منبه في قصة داود (عليه السلام) و ما أوحى إليه في الزبور: يا داود: إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد و محمد، صادقا سيدا، لا أغضب عليه أبدا، و لا يغضبني أبدا، و قد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، أمته مرحومة، أعطيهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء، و افترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء و الرسل، حتى يأتونى يوم القيامة و نورهم مثل نور الأنبياء، و ذلك أنى افترضت عليهم أن يتطهروا إلى كل صلاة، كما افترضت على الأنبياء قبلهم، و أمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم، و أمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم، و أمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم. يا داود إني فضلت محمدا و أمته على الأمم كلها، أعطيتهم ست خصال