البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٣ - فصل فيما يذكر من صفاته (عليه السلام) في الكتب المأثورة عن الأنبياء الأقدمين
لم أعطها غيرهم من الأمم: لا آخذهم بالخطإ و النسيان، و كل ذنب ركبوه على غير عمد إن استغفرونى منه غفرته لهم، [و ما قدموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم جعلته لهم أضعافا مضاعفة] [١] و لهم في المدخر عندي أضعاف مضاعفة و أفضل من ذلك، و أعطيتهم على المصائب في البلايا إذا صبروا و قالوا: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، الصلاة و الرحمة و الهدى إلى جنات النعيم، فان دعوني استجبت لهم فاما أن يروه عاجلا، و إما أن أصرف عنهم سوءا، و إما أن أدخره لهم في الآخرة، يا داود من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له صادقا بها، فهو معى في جنتي و كرامتي، و من لقيني و قد كذب محمدا أو كذب بما جاء به، و استهزأ بكتابي صببت عليه في قبره العذاب صبا، و ضربت الملائكة وجهه و دبره عند منشره من قبره، ثم أدخله في الدرك الأسفل من النار* و قال الحافظ البيهقي: أخبرنا الشريف أبو الفتح العمرى، ثنا عبد الرحمن بن أبى شريح الهروي، ثنا يحيى بن محمد بن صاعد، ثنا عبد اللَّه بن شبيب أبو سعيد، حدثني محمد بن عمر بن سعيد- يعنى ابن محمد بن جبير بن مطعم- قال: حدثتني أم عثمان بنت سعيد بن محمد ابن جبير بن مطعم عن أبيها عن أبيه قال: سمعت أبى جبير بن مطعم يقول: لما بعث اللَّه اللَّه نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) و ظهر أمره بمكة، خرجت إلى الشام، فلما كنت ببصرى أتتنى جماعة من النصارى فقالوا لي:
أمن الحرم أنت؟ قلت: نعم، قالوا: فتعرف هذا الّذي تنبأ فيكم؟ قلت: نعم، قال: فأخذوا بيدي فأدخلونى ديرا لهم فيه تماثيل و صور، فقالوا لي: انظر هل ترى صورة هذا النبي الّذي بعث فيكم؟ فنظرت فلم أر صورته، قلت: لا أرى صورته، فأدخلونى ديرا أكبر من ذلك الدير، فإذا فيه تماثيل و صور أكثر مما في ذلك الدير، فقالوا لي: انظر هل ترى صورته؟ فنظرت فإذا أنا بصفة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و صورته، و إذا أنا بصفة أبى بكر و صورته و هو آخذ بعقب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقالوا لي: هل ترى صفته؟ قلت: نعم، قالوا: هو هذا؟- و أشاروا إلى صفة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- قلت:
(اللَّهمّ) نعم، أشهد أنه هو، قالوا: أ تعرف هذا الّذي آخذ بعقبه؟ قلت: نعم، قالوا: نشهد أن هذا صاحبكم و أن هذا الخليفة من بعده* و رواه البخاري في التاريخ عن محمد غير منسوب، عن محمد بن عمر هذا باسناده فذكره مختصرا، و عنده فقالوا: إنه لم يكن نبي إلا بعده نبي إلا هذا النبي* و قد ذكرنا في كتابنا التفسير عند قوله تعالى في سورة الأعراف: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ» الآية ذكرنا ما أورده البيهقي و غيره من طريق أبى أمامة الباهلي عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا و رجل من قريش إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام، فذكر اجتماعهم به و أن عرفته
[١] هذه الزيادة من التيمورية.