البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٤ - ذكر خروجه الى ذي القصة حين عقد ألوية الأمراء الأحد عشر على ما سيأتي
غداة سعى أبو بكر إليهم* * * كما يسعى لموتته حلال
أراح على نواهقها عليا* * * و مجّ لهن مهجته حبال
و قال أيضا:
أقمنا لهم عرض الشمال فكبكبوا* * * ككبكبة الغزّى أناخوا على الوفر
فما صبروا للحرب عند قيامها* * * صبيحة يسمو بالرجال أبو بكر
طرقنا بنى عبس بأدنى نباجها* * * و ذبيان نهنهنا بقاصمة الظهر
فكانت هذه الوقعة من أكبر العون على نصر الإسلام و أهله، و ذلك أنه عز المسلمون في كل قبيلة، و ذل الكفار في كل قبيلة، و رجع أبو بكر إلى المدينة مؤيدا منصورا، سالما غانما، و طرقت المدينة في الليل صدقات عدي بن حاتم، و صفوان و الزبرقان، إحداها في أول الليل، و الثانية في أوسطه و الثالثة في آخره، و قدم بكل واحدة منهن بشير من أمراء الأنقاب، فكان الّذي بشر بصفوان سعد ابن أبى وقاص، و الّذي بشر بالزبرقان عبد الرحمن بن عوف، و الّذي بشر بعدي بن حاتم عبد اللَّه ابن مسعود، و يقال: أبو قتادة الأنصاري رضى اللَّه عنه* و ذلك على رأس ستين ليلة من متوفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)* ثم قدم أسامة بن زيد بعد ذلك بليال، فاستخلفه أبو بكر على المدينة، و أمرهم أن يريحوا ظهرهم، ثم ركب أبو بكر في الذين كانوا معه، في الوقعة المتقدمة، إلى ذي القصة، فقال له المسلمون: لو رجعت إلى المدينة و أرسلت رجلا، فقال: و اللَّه لا أفعل، و لأواسينكم بنفسي، فخرج في تعبئته، الى ذي حسي و ذي القصة، و النعمان و عبد اللَّه و سويد بنو مقرن على ما كانوا عليه، حتى نزل على أهل الرَّبَذَة بالابرق و هناك جماعة من بنى عبس و ذبيان، و طائفة من بنى كنانة، فاقتتلوا فهزم اللَّه الحارث و عوفا و أخذ الحطيئة أسيرا فطارت بنو عبس و بنو بكر، و أقام أبو بكر على الأبرق أياما و قد غلب بنى ذبيان على البلاد، و قال: حرام على بنى ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد، إذ غنمناها اللَّه و حمى الأبرق بخيول المسلمين، و أرعى سائر بلاد الرَّبَذَة. و لما فرت عبس و ذبيان صاروا إلى مؤازرة طلحة و هو نازل على بزاخة، و قد قال في يوم الأبرق زياد بن حنظلة:
و يوم بالأبارق قد شهدنا* * * على ذبيان يلتهب التهابا
أتيناهم بداهية نسوف* * * مع الصديق إذ ترك العتابا
ذكر خروجه الى ذي القصة حين عقد ألوية الأمراء الأحد عشر على ما سيأتي
و ذلك بعد ما جم جيش أسامة و استراحوا، ركب الصديق أيضا في الجيوش الإسلامية شاهرا سيفه مسلولا، من المدينة إلى ذي القصة، و هي من المدينة على مرحلة، و على بن أبى طالب يقود براحلة الصديق رضى اللَّه عنهما، كما سيأتي، فسأله الصحابة، منهم على و غيره، و ألحوا عليه أن يرجع