البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٥ - القول فيما أوتى داود (عليه السلام)
باسمه في الأولين و الآخرين، و كذلك يرفع قدره و يقيمه مقاما محمودا يوم القيامة، يغبطه به الأولون و الآخرون، و يرغب إليه الخلق كلهم حتى إبراهيم الخليل، كما ورد في صحيح مسلم فيما سلف و سيأتي أيضا، فأما التنويه بذكره في الأمم الخالية، و القرون السابقة، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: ما بعث اللَّه نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد و هو حي ليؤمنن به و ليتبعنه و لينصرنه، و أمره أن يأخذ على أمته العهد و الميثاق لئن بعث محمد و هم أحياء ليؤمنن به و ليتبعنه، و قد بشرت بوجوده الأنبياء حتى كان آخر من بشر به عيسى بن مريم خاتم أنبياء بنى إسرائيل، و كذلك بشرت به الأحبار و الرهبان و الكهان، كما قدمنا ذلك مبسوطا، و لما كانت ليلة الأسراء رفع من سماء إلى سماء حتى سلم على إدريس (عليه السلام)، و هو في السماء الرابعة، ثم جاوزه إلى الخامسة ثم إلى السادسة فسلم على موسى بها، ثم جاوزه إلى السابعة فسلم على إبراهيم الخليل عند البيت المعمور، ثم جاوز ذلك المقام، فرفع لمستوى سمع فيه صريف الأقلام، و جاء سدرة المنتهى و رأى الجنة و النار و غير ذلك من الآيات الكبرى، و صلى بالأنبياء، و شيعه من كلّ مقربوها، و سلم عليه رضوان خازن الجنان، و مالك خازن النار، فهذا هو الشرف، و هذه هي الرفعة، و هذا هو التكريم و التنويه و الإشهار و التقديم و العلو و العظمة، (صلوات اللَّه و سلامه عليه) و على سائر أنبياء اللَّه أجمعين، و أما رفع ذكره في الآخرين، فأن دينه باق ناسخ لكل دين، و لا ينسخ هو أبد الآبدين و دهر الداهرين إلى يوم الدين، و لا تزال طائفة من أمته ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم و لا من خالفهم حتى تقوم الساعة، و النداء في كل يوم خمس مرات على كل مكان مرتفع من الأرض: أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أشهد أن محمدا رسول اللَّه، و هكذا كل خطيب يخطب لا بد أن يذكره في خطبته، و ما أحسن قول حسان:
أغر عليه للنبوة خاتم* * * من اللَّه مشهود يلوح و يشهد
و ضم الإله اسم النبي الى اسمه* * * إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
و شق له من اسمه ليجلّه* * * فذو العرش محمود و هذا محمد
و قال الصرصرى (رحمه اللَّه):
أ لم تر أنا لا يصح أذاننا* * * و لا فرضنا إن لم نكرره فيهما
القول فيما أوتى داود (عليه السلام)
قال اللَّه تعالى: وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ* إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ* وَ الطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ و قال تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ الطَّيْرَ وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَ قَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ