تحرير المواعظ العددية - المشكيني، الشيخ علي - الصفحة ٦٧٣ - من خطبة علي
و اعلموا عباد اللّه! أنّ الأمل يذهب العقل و يكذب الوعد و يحثّ على الغفلة و يورث الحسرة فأكذبوا الأمل فإنّه غرور و إنّ صاحبه مأزور[١]، فاعملوا في الرغبة و الرهبة، فإن نزلت بكم رغبة فاشكروا و اجمعوا معها رغبة؛ فإنّ اللّه قد تأذّن للمسلمين بالحسنى، و لمن شكر بالزيادة، فإنّي لم أر مثل الجنة نام طالبها و لا كالنار نام هاربها، و لا أكثر مكتسبا ممّن كسبه ليوم تذخر فيه الذخائر و تبلى فيه السرائر، و أنّ من لا ينفعه الحقّ يضرّه الباطل.
و من لا يستقيم به الهدى تضرّه الضلالة، و من لا ينفعه اليقين يضرّه الشكّ، و إنّكم قد امرتم بالظعن[٢] و دللتم على الزّاد، ألا إنّ أخوف ما أتخوّف عليكم اثنان: طول الأمل و اتّباع الهوى. ألا و إنّ الدّنيا قد أدبرت و آذنت بانقلاع[٣]، ألا و إنّ الآخرة قد أقبلت و آذنت باطّلاع. ألا و إنّ المضمار[٤] اليوم و السباق[٥] غدا، ألا و إنّ السبقة الجنّة و الغاية النار. ألا و إنّكم في أيّام مهل[٦] من ورائه أجل، يحثّه [ال] عجل؛ فمن أخلص للّه عمله في أيّامه قبل حضور أجله نفعه عمله و لم يضرّه أجله، و من لم يعمل في أيّام مهله ضرّه أجله، و لم ينفعه عمله.
عباد اللّه! افزعوا إلى قوام دينكم بإقام الصّلاة لوقتها، و إيتاء الزكاة في حينها، و التضرّع و الخشوع، و صلة الرحم، و خوف المعاد، و إعطاء السّائل، و إكرام الضعفة [و الضعيف]، و تعلّم القرآن و العمل به، و صدق الحديث،
[١] - مأزور أي آثم يعني صاحب الأمل يأثم قال ٧« إنّ أخوف ما أخاف عليكم اتبّاع الهوى و طول الأمل» كما سيأتي.
[٢] - الظعن: الرحيل، و الأمر تكويني و المراد بالزاد عمل الصالحات و ترك السيئات.
[٣] - الانقلاع: مطاوعة القلع؛ أي آذنت الدنيا بالذهاب و عبّر عنه بالانقلاع لصعوبته على الإنسان كأنّه ينقلع الاطّلاع: الظهور من اطّلع الشمس: أي ظهر.
[٤] - المضمار: الموضع الذي تضمر فيه الخيل و يكون وقتا للأيّام الّتي تضمّر فيها.
[٥] - السّباق: المسابقة. و السّبقة- بالضم-: السّبق؛ أي ما يوضع بين أهل السّباق؛ و هو ما يراهنون عليه.
[٦] - المهل: التّؤدة و التباطؤ( النهاية: ٤/ ٣٧٥).