تحرير المواعظ العددية - المشكيني، الشيخ علي - الصفحة ٦٤٣ - رسالة الإمام السجاد
و حقّ امّك أن تعلم أنّها حملتك حيث لا يتحمّل أحد أحدا، و أعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحدا، و وقتك بجميع جوارحها، و لم تبال أن تجوع و تطعمك، و تعطش و تسقيك، و تعرى و تكسوك، و تضحى و تظلّك، و تهجر النوم لأجلك، و وقتك الحرّ و البرد لتكون لها؛ فإنّك لا تطيق شكرها إلّا بعون اللّه و حسن توفيقه.
و أمّا حقّ أبيك فأن تعلم أنّه أصلك، و أنّه لو لاه لم تكن، فمهما رأيت من نفسك ممّا يعجبك فاعلم أنّ أباك أصل النعمة عليك فيه، فاحمد اللّه و اشكره على قدر ذلك و لا قوّة إلّا باللّه.
و أمّا حقّ ولدك فأن تعلم أنّه منك و مضاف إليك في عاجل الدّنيا بخيره و شرّه، و أنّك مسؤول عمّا وليته من حسن الأدب و الدلالة على ربّه عزّ و جلّ، و المعونة له على طاعته، فاعمل في أمره عمل من يعلم أنّه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه.
و أمّا حقّ أخيك فأن تعلم أنّه يدك و عزّك و قوّتك، فلا تتّخذه سلاحا على معصية اللّه، و عدة[١] للظلم لخلق اللّه، و لا تدع نصرته على عدوّه، و النصيحة له؛ فإن أطاع اللّه و إلّا فليكن اللّه أكرم عليك منه و لا قوّة إلّا باللّه.
و أمّا حقّ مولاك المنعم عليك فأن تعلم أنّه أنفق فيك ماله، و أخرجك من ذلّ الرقّ و وحشته إلى عزّ الحرية و انسها، فأطلقك من أسر الملكية، و فكّ عنك قيد العبودية، و أخرجك من السجن، و ملّكك نفسك، و فرّغك لعبادة ربّك، و تعلم أنّه أولى الخلق بك في حياتك و موتك، و أنّ نصرته عليك واجبة بنفسك و ما احتاج إليه منك و لا قوّة إلّا باللّه.
و أمّا حقّ مولاك الّذي أنعمت عليه فأن تعلم أنّ اللّه عزّ و جلّ جعل عتقك له وسيلة إليه و حجابا لك من النار، و أنّ ثوابك في العاجل ميراثه إذا لم يكن له
[١] - العدّة- بالضمّ-: الاستعداد و ما أعددته لحوادث الدهر من مال أو سلاح.