المدرس الأفضل فيما يرمز و يشار إليه في المطول - مدرس افغاني، محمد علي - الصفحة ٥٧٢
الثالث: الغرض المقصود من ذلك الكلام على اختلاف انواعه، و حكم ذلك حكم الموضع الذي يوضع فيه العقد المنظوم، فتارة يجعل اكليلا على الرأس، و تارة يجعل قلادة في العنق، و تارة يجعل شنفا في الاذن، و لكل موضع من هذه المواضع هيئة من الحسن تخصه، فهذه ثلاثة أشياء لا بد للخطيب و الشاعر من العناية بها، و هي الأصل المعتمد عليه في تأليف الكلام: من النظم، و النثر، فالأول و الثانى من هذه الثلاثة المذكورة، هما المراد بالفصاحة، و الثلاثة بجملتها هي المراد بالبلاغة، و هذا الموضع يصل في سلوك طريقه العلماء بصناعة صوغ الكلام من النظم و النثر، فكيف الجهال الذين لم تنفحهم رائحته و من الذي يؤتيه اللّه فطرة ناصعة يكاد زيتها يضىء و لو لم تمسسه نار، حتى ينظر الى اسرار ما يستعمله من الألفاظ، فيضعها في مواضعها، و من عجيب ذلك انك ترى لفظتين تدلان على معنى واحد، و كلاهما حسن في الاستعمال، و هما على وزن واحد» و عدة واحدة، الا انه لا يحسن استعمال هذه في كل موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرق بينهما في مواضع السبك، و هذا لا يدركه الا من دق فهمه و جل نظره.
فمن ذلك قوله تعالى: «مٰا جَعَلَ اَللّٰهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ» و قوله تعالى: «رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مٰا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً» فاستعمل الجوف في الاولى و البطن في الثانية، و لم يستعمل الجوف موضع البطن، و لا البطن موضع الجوف، و اللفظتان سواء في الدلالة، و هما: ثلاثيتان في عدد واحد، و وزنهما واحد-ايضا-فانظر الى سبك الألفاظ كيف تفعل.
و مما يجرى هذا المجرى، قوله تعالى: «مٰا كَذَبَ اَلْفُؤٰادُ مٰا رَأىٰ» و قوله: «إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَذِكْرىٰ لِمَنْ كٰانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى اَلسَّمْعَ وَ هُوَ