نهاية الدراية في شرح الکفاية - ط قديم - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤٦١ - «في مفهوم التقليد لغةً و اصطلاحاً»
من لم يحصل الحكم على مدركه ليس مقلداً مع عدم العمل أو عدم الأخذ للعمل،فلا تقابل بينهما بتقابل العدم و الملكة أو السلب و الإيجاب.
و أمّا التقابل بينهما بتقابل التضاد نظراً إلى أنّ الاجتهاد هو أخذ الحكم عن مدركه،و التقليد أخذ الحكم عن الغير،لا عن مدركه.
ففيه أنّ الأخذ بمعنى الالتزام و العمل أجنبي عن حقيقة الاجتهاد إذ ليس معنى الاجتهاد التزام المجتهد بالحكم،و لا عمله به.
و الأخذ بمعنى التعلّم الراجع إلى تحصيل العلم بالحكم و إن كان مشتركاً بين المجتهد و المقلد و الأخذ عن مدرك و عن الغير متقابلان،إلاّ أنه لا دليل على أن الاجتهاد و التقليد متقابلان،حتى يتعين كون التقليد بمعنى التعلم-تحقيقاً للتقابل -بل التقليد في قبال الاجتهاد بمعنى يقابل الاحتياط لهما،مع أنّ الاحتياط ليس إلاّ عنواناً للعمل،فالتقابل حقيقة بين العمل استناداً إلى المدرك أو إلى رأي الغير أو بنحو يوافق الواقع،هذا كله فيما يقتضيه مفهوم التقليد.
و اما الثاني و هو ما يقتضيه الأدلة العقلية و النقليّة.
فنقول:من الأولى:قضية الفطرة،و سيجيء [١]إن شاء اللّه تعالى أنّ مقتضاها -لو تمّت-رفع الجهل يعلم العالم حقيقة،حيث أنه كمال القوة العاقلة،لا الالتزام بقول الغير تعبداً،أو العمل به كذلك،أو التعلم منه الّذي هو أخص من رفع الجهل بعلم العالم،فان التعلم الّذي هو مقدمة للعمل لا يدور مدار حصول العلم بالحكم،بل إحراز الفتوى و رأي الغير فقط.
فالتقليد بالوجه الّذي يقتضيه الفطرة ليس بأحد المعاني المبحوث عنها هنا.
مع ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في اقتضاء الفطرة.
و منها:قضية السيرة،و من البين أنّ ما جرت عليه سيرة العقلاء في مقاصدهم حفظاً لنظام أمورهم هو العمل بقول العارف بشيء،لا عقد القلب عليه،و لا أخذه بوجود الكتبي أو بوجوده العلمي،و إن كانا من المقدمات أحياناً،فانّ كلّ ذلك
[١] -يأتي في ص ٤٦٢.