نهاية الدراية في شرح الکفاية - ط قديم - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٨٧ - «وجه تقديم الأمارة على الاستصحاب»
ثمّ إنّ الغاية تارة-هو العلم بماله من الحيثية الذاتيّة بأحد الوجهين،و أخرى- يكون العلم عنواناً و معرفاً لحيثية الوصول المعتبر،أو لحيثية المنجز بما هو منجز -و لو جعلاً-لا خصوص المنجز بالذات،و سيظهر الفرق بينهما إن شاء اللّه تعالى.
و أما أدلة اعتبار الأمارة،فتارة بعنوان إحدى الحيثيتين الذاتيتين،و كان اعتبار الأمارة بعنوان انها علم كما استظهرناه [١]من قوله تعالى:(فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون) [٢]حيث أنّ الظاهر الأمر بالسؤال لكي يعلموا بالجواب لا بأمر زائد على الجواب،و من قوله عليه السلام في المقبولة«روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا» [٣]حيث أنّ استفادة الأحكام من أحاديثهم عليهم السلام-مع كونها غالباً ظنية السند و الدلالة-قد أطلقت عليها المعرفة، فحينئذٍ يكون الخبر بمقتضى أمثال هذه الأدلة-منزّلاً منزلة العلم في كونه وصولاً للواقع،أو منجزاً له،و لا منافاة بين ثبوت الحكم الظاهري إلى غاية،و بين الحكم بثبوت الغاية بالخبر،فيكون تنزيلاً حقيقة و وروداً تنزيلاً،و هي الحكومة الاصطلاحيّة المقبولة.
و أمّا إذا كان العلم معرفاً و عنواناً لمطلق الوصول المعتبر،و لمطلق الحجة القاطعة للعذر،و كان اعتبار الأمارة بعنوان أنها علم،فالخبر حينئذٍ منزل منزلة العلم عنواناً،و يكون له الورود الحقيقي على الأصل.
أما إنّ التنزيل عنواني لا حقيقي،فلأنّ المنزّل عليه-و هو العلم-لا أثر له بخصوصه،لا من حيث ذاته،و لا من حيث وصوله الذاتي و منجزيّته الذاتيّة،بل هو عنوان لما هو الغاية حقيقة،و هو مطلق الوصول المعتبر،و مطلق المنجز بخلاف الشق المتقدم،فان العلم بما له من الحيثية الخاصة به غاية،فلذا كان التنزيل هناك حقيقياً و هنا عنوانياً.
[١] -تقدم في ج ٢ ذيل قول الماتن-قدّه-«و قد ورد عليها بأنه إلخ».
[٢] -النحل:الآية ٤٣ و الأنبياء:الآية ٧.
[٣] -الوسائل:ج ١٨:الباب ١١ من أبواب القاضي:ص ٩٨ الحديث ١.