البديع في علم العربية - ابن الأثير، مجدالدين - الصفحة ٢٣٥ - الفصل الثّالث في أحكام الاستثناء
وَ لاََ يََابِسٍ إِلاََّ فِي كِتََابٍ مُبِينٍ [١] ، كأنّه قال-و اللّه أعلم-: لا يعلمها إلاّ هو و هي في كتاب مبين [٢] ، فإن قلت: ما أكل أحد إلاّ الخبز إلاّ زيدا، فهذا ليس فيه إلاّ نصب زيد؛ لأنّ الكلام موجب في المعنى، كأنّك قلت: كلّ النّاس أكل الخبز إلاّ زيدا، و كذلك: ما جاءني أحد إلا راكبا. إلاّ زيدا، كأنّك قلت: كلّ أحد جاءني راكبا إلاّ زيدا.
الحكم الثامن: إذا اجتمع"إلاّ"، و"غير"، فاجعل أحدهما استثناء و الآخر صفة؛ تقول: ما جاءني أحد إلا زيد غير عمرو، و ما مررت بأحد إلاّ و تدا غير زيد، قال شيخنا [٣] : و لا أعلم لصرفهما عن الاستثناءين معنى، و لا عن الوصفين إذا كانا مفترقين، فإن عطفت جاز رفعهما جميعا، تقول: ما جاءنى أحد إلا زيد و غير عمرو، فأمّا قول الشاعر [٤] :
ما بالمدينة دار غير واحدة # دار الخليفة إلاّ دار مروانا
[١] ٥٩/الأنعام.
[٢] انظر: التبصرة ٣٧٩.
[٣] أبرز شيوخه فى النحو هو: ناصح الدين أبو السعادات أبو محمّد سعيد بن المبارك بن علىّ بن الدّهّان البغداديّ المتوفى سنة تسع و ستين و خمسمائة، و قد ذكر ابن الأثير في مقدّمه"البديع"أنّ له كتابا شرح فيه فصول ابن الدّهّان، و سمّاه"بغية الراغب في تهذيب الفصول النحويّة"، كما أنّ"البديع"يعدّ أيضا شرحا مبسوطا مطوّلا لفصول ابن الدّهان. انظر ص ٢ فى المقدّمة.
و قد صرّح ابن الأثير فى البديع بالنّقل عن شيخه بقوله: "قال شيخنا"أربع مرّات، و لم أقف على نصّ كلام شيخه في هذا الموطن، و عثرت على نقوله الأخرى فى"الغرّة"لابن الدهان، و هو شرح لكتاب"اللمع"لابن جني، و قد قرأ ابن الأثير النحو-أيضا على مكيّ بن رياّن بن شبّه بن صالح النحوىّ الضرير المتوفىّ سنة ثلاث و ستمائه، و قرأ النّحو على غيرهما أيضا.
[٤] قيل: هو الفرزدق، و لم أعثر عليه في ديوانه المطبوع.
و البيت من شواهد سيبويه ٢/٣٤٠. و انظر أيضا: المقتضب ٤/٤٢٥، و الأصول ١/٣٠٣.
مروان: هو مروان بن الحكم الأمويّ.