البديع في علم العربية - ابن الأثير، مجدالدين - الصفحة ٢٥٧ - و لها أحكام
و أمّا"مذ"و"منذ"فهما لفظان تتجاذبهما الاسميّة، و الحرفية و الأغلب على"مذ"الاسميّة، و على"منذ"الحرفيّة؛ لأنّهم قالوا: أصل "مذ": "منذ"فحذفت النّون؛ بدليل إعادتها في التصغير، فتقول: منيذ، فإن لقي الذّال ساكن بعدها ضمّت؛ ردّا إلى أصلها، و كسرت؛ على أصل التقاء السّاكنين.
أمّا إذا كانتا اسمين: فإنّ موضعهما رفع بالابتداء [١] ، و ما بعدهما خبرهما، و قيل بالعكس [٢] ، و لهما موضعان:
الأوّل: أن تكونا بمعنى الأمد، فيكون الاسم بعدهما نكرة معدودا، فإن عرّفته جاز، تقول: ما رأيت زيدا، فيقال لك: ما أمد انقطاع الرّؤية؟ فتقول: مذ يومان، و مذ اليومان، أي: أمد ذلك يومان، فهذا يقتضى العدّة فحسب، و ينتظم أوّل الوقت و آخره، فإن قلت: يوم الاثنين، مثلا: ما رأيته مذ يومان-و قد كنت رأيته يوم الجمعة، أو السّبت-جاز، و لم يعدّ بالنواقص، و قيل: إذا رأيته أمس، فقلت اليوم: ما رأيته[مذ] [٣] يومان جاز، و زعم الأخفش أنّهم يقولون ما رأيته مذ اليوم، و: مذ العام، و لا يقولون: مذ الشّهر، و لا مذ يوم، و لا مذ الساعة [٤] ، و هو على غير قياس؛ و قد حكي عن العرب استعمال أمثلة، و امتناع من أخرى، لم نطل بذكرها.
الموضع الثّاني: أن تكونا بمعنى أوّل الوقت، و لا يكون الاسم بعدهما
[١] انظر: الإيضاح العضديّ ١/٢٦٦-٢٦٢.
[٢] و هو مذهب الأخفش و الزجاج و طائفة من البصريين، انظر الجنى الدانى ٦٥.
[٣] تتمّة يلتئم بمثلها الكلام.
[٤] لم أقف على هذا الزعم للأخفش فيما لديّ من مصادر.