البديع في علم العربية - ابن الأثير، مجدالدين - الصفحة ٢٢٨ - الفصل الثاني في أنواع الاستثناء
و أمّا النّصب على أصل الاستثناء فتقول: ما بالدّار أحد إلاّ وتدا، و إلاّ زيدا، و ما رأيت أحدا إلاّ وتدا، و إلاّ زيدا، و ما مررت بأحد إلاّ وتدا، و إلاّ زيدا؛ و ذلك لأنّ الكلام قد تمّ، فتوصل الفعل بـ"إلاّ"، و تخرجه مخرج الفضلات، فيصير النّفي-في هذا-بمنزلة الإيجاب، و قد قرئ قوله تعالى: وَ لاََ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ [١] بالرّفع [٢] ، على البدل من"أحد" و بالنّصب [٣] ، على أصل الاستثناء، و من هذا الباب قوله تعالى: لاََ عََاصِمَ اَلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اَللََّهِ إِلاََّ مَنْ رَحِمَ [٤] ؛ فإن جعلت"من رحم"مفعولا، كان منقطعا، أي: لكن من رحم معصوم [٥] ، و إن جعلته فاعلا، كان متّصلا، كأنّه قال: لا عاصم إلا الرّاحم [٥] ، يعنى: اللّه تعالى، و كذلك قوله تعالى:
فَلَوْ لاََ كََانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهََا إِيمََانُهََا إِلاََّ قَوْمَ يُونُسَ [٦] ، فالنّصب مع المنقطع، و الرّفع [٧] ، على البدل، عند الزّجّاج [٨] ، و على الوصف، عند يونس [٩] ، و مثله قولهم: لا تكوننّ من فلان في شئ إلاّ سلاما بسلام [١٠] فالنّصب مع المنقطع، أى: لا تخالطه إلا متاركة، و الرّفع، على أنّه خبر
[١] ٨١/هود.
[٢] و به قرأ أبو عمرو و ابن كثير.
[٣] و به قرأ الباقون. انظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/٥٣٦ و مشكل إعراب القرآن ١/٤١٢-٤١٣ و النشر ٢/٢٧٩ و الإتحاف ٢٥٩.
[٤] ٤٣/هود.
[٥] انظر: الأصول ١/٢٩١ و إعراب القرآن لأبى جعفر النحاس ٢/٩٣ و مشكل إعراب القرآن ١/٤٠٥.
[٦] ٩٨/يونس.
[٧] جائز جوازا نحويا. و انظر معاني القرآن للفرّاء ١/٤٧٩.
[٨] انظر: إعراب القرآن و معانيه ٣/٣٥.
[٩] لم أقف على من نسب ذلك إلى يونس.
[١٠] انظر: الأصول ١/٢٩١.