البديع في علم العربية - ابن الأثير، مجدالدين - الصفحة ٢٢٩ - الفصل الثاني في أنواع الاستثناء
فالنّصب مع المنقطع، أى: لا تخالطه إلا متاركة، و الرّفع، على أنّه خبر مبتدأ محذوف، تقديره/إلاّ شئ هو سلام بسلام، و منه قولهم: ما زاد إلا ما نقص"و"ما نفع إلا ما ضرّ"، فـ"ما"-مع الفعل-بمنزلة اسم، و لو لا "ما"لم يقع الفعل بعد"إلاّ"، فكأنّه قال: ما زاد الشئ و لكن النّقص أمره، و ما نفع و لكن الضّرّ أمره، و منه قول الشّاعر [١] :
نجا سالم و النّفس منه بشدقه # و لم ينج إلاّ جفن سيف و مئزرا
تمّ الكلام عند قوله: "و لم ينج"، ثم قال: "إلا جفن سيف و مئزرا" أي": لكن جفن سيف و مئزرا".
فإن كان في المبدل منه مانع من الحمل على لفظه، حمل على الموضع، تقول: ما جاءني من أحد إلاّ زيد، و لا رجل فيها إلاّ زيد، فتحمل زيدا على موضع الفاعل و المبتدأ، دون الّلفظ؛ لأنّ"من"و"لا"لا يدخلان على المعارف فى هذا المقام، و يجوز النّصب في هذا، على أصل الاستثناء، فتقول: لا رجل فى الدّار إلا زيدا، و ما جاءنى من أحد إلاّ زيدا، و منه قوله [٢] :
مهامها و خروقا لا أنيس بها # إلاّ الضّوابح و الأصداء و البوما
[١] هو حذيفة بن أنس الهذليّ. انظر: ديوان الهذليين ٥٥٨.
و البيت من شواهد ابن السرّاج في الأصول ١/٢٩١. و انظر أيضا: المقرّب ١/١٦٧ و اللسان (جفن) .
النفس بشدقه: أي: كادت تخرج؛ فبلغت شدقه، أي: إنما نجا بجفن سيف و مئزر، نصبه على نزع الخافض.
[٢] هو الأسود بن يعفر. انظر: المفضليّات ٤١٩
و انظر أيضا: الخزانة ٣/٣٨٢.
المهامه: جمع مهمه، و هو القفر. الخروق: جمع خرق، و هو الفلاة الواسعة تتخرّق فيها الرياح.
الضوابح: جمع ضابح، و هو الثعلب. الأصداء: جمع صدى، و هو: ذكر البوم.