البديع في علم العربية - ابن الأثير، مجدالدين - الصفحة ٩٩ - الفصل الثالث فى مرتبته
و الأصل فى هذا الباب: أنّ الضّمير إذا تقدّم لفظا و لم يتقدّم تقديرا كالثّانية، أو تقدّم تقديرا و لم يتقدّم لفظا، كالثّالثة، أو لزم مرتبته، كالأولى؛ فإنّ ذلك جميعه جائز، فإن تقدّم لفظا و تقديرا كالرّابعة، لم يجز، و متى اتّصل ضمير المفعول بالفاعل، كالثالثة، لم يجز إلاّ تأخير الفاعل؛ لئلاّ يتقدّم المضمر على الظاهر، و هو فى موضعه، و مثله فى قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ لاََ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمََانُهََا [١] .
فأمّا قوله [٢] :
جزى ربّه عنّى عدىّ بن حاتم
و قوله [٣] :
ألا ليت شعرى هل يلومنّ قومه # زهيرا.......
فالهاء فى «ربّه» و «قومه» راجعة إلى الجزاء و اللّوم؛ لدلالة «جزى»
[١] -١٥٨/الأنعام. و قد سقط من الأصل: «يأتى بعض أيات ربّك» .
[٢] -هو أبو الأسود الدؤلىّ. انظر: ملحقات ديوانه ١٢٤. و نسب إلى النابغة الزبيانى. و تتمّة بيت أبى الأسود:
جزاء الكلاب العاويات، و قد فعل
و هو الشطر الثانى من بيت النابغة، و شطره الأول-كما فى ديوانه ١٩١:
جزى اللّه عبسا فى المواطن كلّها
و انظر: الخصائص ١/٢٩٤ و ابن يعيش ١/٧٦ و الهمع ١/٢٣٠ و الخزانة ١/٢٧٧.
و هو شاهد على أنّ الأخفش و ابن جنّى جوّزا اتصال ضمير المفعول بالفاعل المتقدّم، لشدّة اقتضاء الفعل للمفعول به، كاقتضائه للفاعل، و هو أيضا مذهب أبى عبد اللّه الطّوال الكوفى، و إلى هذا ذهب ابن مالك فى التسهيل و شرحه. هذا و قد وجّه المؤلف البيت و البيت الذى يليه توجيها يخرجهما عن مخالفة الجمهور.
[٣] -هو أبو جندب الهذلىّ. انظر: ديوان الهذليين ١/٣٥١. و انظر: الخزانة ١/٢٨٠، ٢٩١.
زهير: أحد بنى لحيان، و لحيان من هذيل. جرّ: جنى على نفسه من كل وجه.