شرح ملا جامي على متن الكافية في النحو - الجامي، عبد الرحمن - الصفحة ٩٥
و قال بعض الشارحين: قد جوز بعضهم تعريف الشيء بما هو أعم منه إذا كان المقصود منه تمييزه عن بعض ما عداه، فيمكن أني قال: المقصود هاهنا تمييز العدل عن سائر العلل لا عن كل ما عداه، فحيث حصل [١] بتعريفه هذا التمييز لا بأس بكونه أعم منه فحينئذ لا حاجة في تصحيح هذا التعريف إلى ارتكاب تلك المتكلفات.
و اعلم أنا نعلم قطعا [٢] أنهم لما وجدوا (ثلاث و مثلث و أخر و جمع و عمر) غير منصرف و لم يجدوا فيها سببا ظاهرا غير الوصفية [٣] أو العلمية احتاجوا إلى اعتبار سبب آخر، و لما لم يصلح للاعتبار إلا العدل، اعتبروه فيها لا أنهم تنبهوا للعدل فيما عدا (عمر) من هذه الأمثلة، فجعلوه غير منصرف، للعدل، و سبب آخر، و لكن لا بد في اعتبار العدل من أمرين: أحدهما: وجود [٤] أصل للاسم المعدول. و ثانيهما: اعتبار إخراجه عن ذلك الأصل إذ لا تتحقق الفرعية بدون اعتبار ذلك الإخراج.
[١] و يفهم من كلام الشارح أن هذا التوجيه مرضي له، مع أن الظاهر أن المقصود في هذا المقام تمييز غير المنصرف عن المنصرف لا مجرد تمييز بعض العلل عن بعض و لا شك أن هذا التعريف للعدل لا يتميز به غير المنصرف عن المنصرف، فإنه إذا سمي بالجموع الشاذة مثلا شخص لم يعلم أنها غير منصرف أو منصرف، بل يتوهم أنها غير منصرف لتحقق العلمية و العدل بهذا التعريف الأعم منها. (عصمت). [٢] قوله: (و اعلم أنا نعلم قطعا ... إلخ) كان وجهه أن نظر النحاة في تتبعهم أولا إلى إعراب الكلمة و بنائها، فإذا نظروا إلى إعراب ثلاث و أخواته وجدوا إعرابها إعراب منع الصرف، و لما علموا بالتتبع أن منع الصرف لا يكون إلا بفرعيتين حقيقة أو حكما، فتشوا عن حال تلك الأمثلة، فوجدوا فرعيته ظاهرة و هي العلمية أو الوصفية، و لم يجدوا أخرى فاضطروا إلى اعتبار فرعية، و لم يصلح للاعتبار إلا العدل فاعتبروه، ثم فتشوا عن حال الأصل، ففي بعض الأمثلة لم يجدوا ما يدل على ثبوت أصل إلا اقتضاء العدل المعدول عنه، و في بعضها وجدوا دليلا آخر فالثاني هو العدل التحقيقي، أي: العدل المنسوب إلى ما هو محقق، أي: في الخارج، و الأول هو العدل التقديري، أي: العدل المنسوب إلى ما هو مقدر ليس ثابتا في الخارج. (عبد الغفور).
[٣] و الوصفية أو العلمية وحدها لم تؤثر في منع الصرف لكون اجتماع السببين أو تكرر واحد منها شرطا، و هما ليسا كذلك. (ح).
[٤] لأن الأصل المعدول عنه إذا لم يوجد لم يمكن اعتبار العدل فكيف يوجد العدل، الذي هو النوع؛ لأن المعدول فرع المعدول عنه. (م).