شرح ملا جامي على متن الكافية في النحو - الجامي، عبد الرحمن - الصفحة ٣١٣
الطريق) [١] مثال لثاني نوعيه، أي: اتّق الطريق الطريق.
و لا يخفى عليك أن تقدير (اتّق) في أوّل النوعين غير صحيح؛ لأنه لا يقال [٢]:
اتقيت زيدا من الأسد [٣]، فينبغي أن يقدر فيه مثل: (بعد، و نح).
و تقدير: (بعد) في مثال النوع الثاني غير مناسب؛ لأن المعنى على الاتّقاء عن الطريق لا على تبعيده منه.
فالصواب أن يقال: بتقدير (بعد أو اتّق) أو نحوهما [٤]، فيقدر مثل: (بعد) في جميع أفراد النوع الأول، و في بعض أفراد النوع الثاني مثل: (نفسك نفسك) [٥] فإن المعنى [٦] ...
[١] و الجدار الجدار، و الجبل الجبل، و الحية الحيّة، و إنما كرر ليكون مانعا عن ظهور الفعل؛ لنيابة أحد المكررين منابه مع ما ذكر في القسم الأول (عوض أفندي).
[٢] يعني: لم يجئ متعديا إلى اثنين؛ إلى الأول بنفسه، و إلى الثاني تارة ب: (من)، و أخرى بنفسه، بل إنما جاء متعديا إلى واحد فقط، تارة بنفسه و أخرى ب: (من). و السر فيه: أن وقى متعدّ إلى الأول بنفسه و إلى الثاني ب: (من) و بدونه، فلما نقل إلى الأفعال انتقص مفعولا، و بقي المفعول الآخر كما هو القياس، و اللّه اعلم (قدقي).
[٣] لأنّه لا يقع بعده إلا المحذر منه كما يعلم من تصحيح عصام الدين؛ تقديره: اتق نفسك؛ بجعل النفس كأنّه محذر منه بالتّعبير به عن الأسد تأمل (داود).
[٤] و أجيب عنه بأنّ هذا من باب حذف المضاف و إقامة المضاف إليه مقامه، تقديره معمول بتقدير نحو: اتق، أو من باب حذف المعطوف تقديره معمول بتقدير: اتق أو نحوه. فحينئذ يعمّ التعريف و يشمل كل فعل يجوز تقديره فيدخل بعّد و نحّ و اتق و غيرها.
[٥] فالنفس هاهنا هو المحذر منه بل مطلقا لقوله تعالى: وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف: ٥٣]، و قوله: عليه السّلام: «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك» البيهقي في الزهد:
[٣٥٥] .
[٦] قوله: (فإن المعنى على هذا: بعّد نفسك مما يؤذيك) يوجب كون النفس محذورا لا محذورا منه فلا يكون من أفراد النوع الثاني، و ليس من أفراد النوع الأول أيضا؛ لأنّه ليس تحذيرا مما بعده. و يمكن أن يقال: لما كان النفس أمارة بالسوء يكون مؤذية فيكون محذرا منها، فيؤثر الشخص بالاتقاء منها؛ إذ حاصل المعنى: بعّد شخصك مما يؤذيك، و المؤذى في مثالنا هذا هو النفس فيكون محذرا منها بهذا الاعتبار و إن كانت محذرة باعتبار أنها نفس الشخص المأمور بالتحذير و الاتقاء عنها فتأمل، لئلا يشتبه عليك الفرق بين هذا الجواب و بين ما أجاب المحشي (قدقي رحمه اللّه).