شرح ملا جامي على متن الكافية في النحو - الجامي، عبد الرحمن - الصفحة ٣٠٢
لا بينه- بوصف التفسير- و بين الصفة فإن التركيب لا يحتملهما [١] معا مثل: قوله تعالى: إِنَّا كُلَ [٢] شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [القمر: ٤٩] بنصب (كل شئ) على الإضمار بشريطة، و لو رفع بالابتداء و جعل (خلقناه) خبرا له لكان موافقا للنصب في أداء المقصود و لكن خيف لبسه بالصفة لاحتمال كون قوله (بقدر) خبرا و هو خلاف [٣] المقصود فإن المقصود الحكم على (كل شيء) بانه نخلوق لنا بقدر لا الحكم (على كل شيء) مخلوق لنا أنه (بقدر) فإنه يوهم [٤] كون بعض الاشياء الموجودة غير مخلوق للّه،
[١] لأنه إذا كان الاسم المذكور منصوبا يكون الفعل مفسرا لا يحتمل الصفة، و إذا كان مرفوعا يكون الفعل صفة أو خبرا لا يحتمل المفسر و هما متضادان.
- بأن يكون الفعل لواقع بعد الاسم المذكور وصفا لذلك الاسم و خبرا له أيضا (م).
- فإن المقصود من الأية عمومية القدر في جميع المخلوقات، فإذا نصب كل كان تقديرها:
خلقناه كل شيء بقدر، فلم يعد إلا المعنى المقصود لعدم دلالتها ح إلا على ذلك، و أما إذا رفع كل على الابتداء فيحتمل وجهين أحدهما: أن يكون خلقناه في محل الرفع بأن يكون خبرا لكل شيء، و يقدر خبر بعد خبر أو متعلق بخلقنا و ج يفيد المعنى المقصود أيضا، و الثاني أن يكون مجرور المحل، بأن يكون صفة لشيء و بقدر خبره، و حينئذ لم يفد المعنى المقصود من الآية؛ إذ ليس المراد أن الشيء المخلوق لنا هو بقدر دون، ما لم يكن مخلوقا لنا مع أن المفهوم من الكلام حينئذ ذلك، فلم يلزم منه عمومية القدر في جميع المخلوقات بمجرد الخبر و هي المقصود منها بل عموميته في جميع المخلوقات التي تلك الصفة فالحاصل أن الرفع لما كان محتملا لوجهين مقصود و غير مقصود و النصب متعينا للمقصود كان أرجح (عافية في شرح الكافية).
[٢] قال الشيخ الرضي: ما حاصله يرجع إلى أن لا فرق بين كونه خبرا و كونه صفة؛ لأن المراد بالشيء المخلوق لا مطلق الشيء؛ لأنه متناول للممكنات المعدومة، فإذا أريد بالشيء المخلوق و جعل خلقناه صفة، كان المعنى كل مخلوق، مخلوق بالقدر و فيه نظر لأنا لا نسلم تناول الشيء للمعدوم لاختصاصه بالموجود كما ذهب إليه أهل السنة (لارى).
[٣] قوله: (فإنه يوهم) إلخ لا حاجة إلى الاستدلال بفساد احتمال الصفة لاختيار النصب بل يكفي في نفيه أن يكون المفسر جملة خبرية هو المقصود بالإفادة، و كونه صفة لأمر آخر خلاف المقصود سواء كان له معنى صحيح في نفس الأمر أو لم يكن و إلا يلزم أن لا يكون المختار النصب عند المعتزلي، فإن احتمال الصفة على مذهبهم غير فاسد مع أنه ليس كذلك إذا لم ينقل خلاف في اختيار النصب في المثال من واحد منهم، و رؤساء علم النحو كالشيخ عبد القاهر و جار اللّه العلامة و الرضي و السكاكي منهم فالأولى إيراد قوله: (فإنه يوهم بطريق العلاوة لا بطريق الاستدلال) (عصمة اللّه).
[٤] أي: في الاسم الذي وقع في مظان الإضمار على شريطة التفسير من غير ترجيح لأحد الجانبين على الآخر (توقادي).