الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥٦٧ - حديث وقعة نهاوند
و قال المغيرة: اكتموا مصاب أميركم حتى ننظر ما يصنع الله فينا و فيهم؛ لئلا يهن الناس، فاقتتلوا حتى إذا أظلم الليل عليهم انكشف المشركون و ذهبوا، و المسلمون ملظون بهم، فعمى على المشركين قصدهم، فتركوه و أخذوا نحو اللهب و هو الخندق الذي كانوا أنزلوا دونه، فوقعوا فيه، فمات فيه منهم مائة ألف أو يزيدون، سوى من قتل منهم فى المعركة، و هم أعداد الذين هووا، و لم يفلت إلا الشريد، و نجا الفيرزان من بين الصرعى فى المعركة، فهرب نحو همدان فى ذلك الشريد، فتبعهم نعيم بن مقرن، و قدم القعقاع فأدركه حين انتهى إلى ثنية همدان، و الثنية مشحونة من بغال و حمير موقورة عسلا، فحبسه على أجله، فقتله على الثنية بعد ما امتنع، لم يزل يتوقل فى الجبل لما غشيه إذ لم يجد مساغا، و توقل القعقاع فى أثره حتى أخذه، و استاق العسل و ما خالطه من سائر الأحمال، فأقبل به، و سميت تلك الثنية بذلك: ثنية العسل. و قال القعقاع فى ذلك:
قولا لأصرام بأكناف الجبل* * * بأن لله جنودا من عسل
تقتل أحيانا بأسياف الأجل
و مضى الفلال حتى انتهوا إلى مدينة همدان فدخلوها و الخيل فى آثارهم، فنزلوا عليها و حووا ما حولها، فلما رأى ذلك خسروشنوم استأمنهم على أن يضمن لهم همدان و دستى، و أن لا يؤتى المسلمون منهم، فقبل المسلمون ذلك و أجابوا إليه، و آمنوهم فأقبل كل من كان هرب، و لما بلغ الخبر أهل الماهين بأن همدان قد أخذت، و نزلها نعيم بن مقرن و القعقاع بن عمرو اقتدوا بخسروشنوم، فراسلوا حذيفة فأجابهم إلى ما طلبوا، فأجمعوا على إتيانه، فخدعهم دينار، و كان ملكا إلا أنه كان دون أولئك الملوك، و أتى إلى المسلمين فى الديباج و الحلى، فأعطاهم حاجتهم و احتمل لهم ما أرادوا، فعاقدوه عليهم، و لم يجد الآخرون بدا من متابعته و الدخول فى أمره، فقيل لأجل ذلك: ماه دينار، فنسبت إليه، و ذهب حذيفة بها، و كان النعمان بن مقرن قد عاهد بهراذان على مثل ذلك، فقيل: ماه بهراذان، فنسبت إليه لأجل ذلك، و وكل النسير بن ثور بقلعة قد كان لجأ إليها قوم فحاصرها فافتتحها، فنسبت إلى النسير.
و فى غير هذا الحديث [١] أن أهل نهاوند خرجوا ذات يوم على المسلمين فلم يلبثهم المسلمون أن هزموهم، و تبع سماك بن عبيد العنسى رجلا منهم معه نفر ثمانية على أفراس لهم، فبارزهم فلم يبرز له أحد منهم إلا قتله حتى أتى عليهم، ثم حمل الفارسى الذي كانوا معه فأسره سماك و أخذ سلاحه، و وكل به رجلا، فقال: اذهبوا بى إلى
[١] انظر: الطبرى (٤/ ١٣٥، ١٣٦).