الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٩٩ - حديث المثنى بعد خالد
و استقام أهل فارس على رأس سنة من مقدم خالد على الحيرة، بعد خروجه إلى الشام بقليل، و ذلك سنة ثلاث عشرة، على شهربراز بن أردشير بن شهريار ممن يناسب إلى كسرى، ثم إلى سابور. فوجه إلى المثنى جندا عظيما عليهم هرمز جاذويه فى عشرة آلاف، و معه فيل، و كتبت المسالح إلى المثنى بإقباله، فخرج المثنى من الحيرة نحوه، و ضم إليه أصحاب المسالح، و جعل على مجنبتيه أخويه: المعنّى و مسعودا، و أقام له ببابل، و أقبل هرمز جاذويه، و قد كتب شهر براز إلى المثنى بن حارثة: «من شهربراز إلى المثنى: إنى قد بعثت إليك جندا من وخش أهل فارس، إنما رعاة الدجاج و الخنازير، و لست أقاتلك إلا بهم».
فكتب إليه المثنى: «من المثنى إلى شهربراز، إنما أنت أحد رجلين. إما صادق، فذلك شر لك و خير لنا، و إما كاذب، فأعظم الكذابين عقوبة و فضيحة عند الله و فى الناس الملوك، و أما الذي يدلنا عليه الرأى، فإنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد لله الذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج و الخنازير».
فجزع أهل فارس من كتابه، و قالوا: إنما أتى شهربراز من شؤم مولده و لؤم منشئه، و كان يسكن ميسان [١]، و أن بعض البلدان شين على من يسكنه. و قالوا له: جرأت عدونا بالذى كتبت إليهم، فإذا كاتبت أحدا فاستشر. ثم التقوا ببابل، فاقتتلوا بعدوة الصراة الدنيا، على الطريق الأول، قتالا شديدا.
ثم إن المثنى و فرسان من المسلمين اعتمدوا الفيل، و كان يفرق بين الصفوف و الكراديس، فأصابوا مقتله، فقتلوه و هزموا أهل فارس، و اتبعهم المسلمون يقتلونهم، حتى جازوا بهم مسالحهم، فأقاموا فيها، و تتبع الطلب الفالة، حتى انتهوا إلى المدائن، و مات شهربراز منهزم هرمز جاذويه، و اختلف أهل فارس، و بقى ما دون دجلة و برس من السواد فى يد المثنى و أيدى المسلمين.
ثم إن أهل فارس اجتمعوا بعد شهربراز على دخت زنان ابنة كسرى، فلم ينفذ لها أمر، و خلعت، و ملك سابور بن شهربراز، و قام بأمره الفرخزاد بن البندوان، فقاتلا جميعا، و ملكت آزرميدخت، و تشاغلوا بذلك، و أبطأ خبر أبى بكر، رضى الله عنه، على المسلمين، فخلف المثنى على المسلمين بشير بن الخصاصية، و وضع مكانه فى المسالح سعيد بن مرة العجلى، و خرج المثنى نحو أبى بكر ليخبره خبر المسلمين و المشركين،
[١] ميسان: كورة واسعة كثيرة القرى و النخيل بين البصرة و واسط. انظر: معجم البلدان (٥/ ٢٤٢).