الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٩ - ذكر كتاب النبيّ
نبى بشركم به عيسى ابن مريم، ترجون أن يجعله الله فيكم؟ قالوا: بلى، قال: فإن الله قد جعله فى غيركم، فى أقل منكم عددا، و أضيق منكم بلدا، و هى رحمة الله عز و جل يضعها حيث يشاء [١].
و فى الصحيح من الحديث أن هرقل لما تحقق أمر رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بما كان يجده فيما عندهم من العلم أذن لعظماء الروم فى دسكرة له بحمص، و أمر بالأبواب فغلقت، ثم طلع عليهم، فقال: يا معشر الروم، هل لكم فى الفلاح و الرشد، و أن يثبت لكم ملككم، و أن تتبعوا ما قال عيسى ابن مريم؟ قالوا: و ما ذاك أيها الملك؟ قال: تتبعون هذا النبيّ العربى. قال: فحاصوا حيصة حمر الوحش و استجالوا فى الكنيسة و تناخروا، و رفعوا الصلب، و ابتدروا الأبواب، فوجدوها مغلقة، فلما رأى هرقل ما رأى يئس من إسلامهم و خافهم على ملكه، فقال: ردوهم على، فردوهم، فقال: إنما قلت لكم ما قلت لأخبر كيف صلابتكم فى دينكم، فقد رأيت منكم الذي أحب، فسجدوا له و رضوا عنه، فكان ذلك آخر شأنهم [٢].
و يروى أن قيصر لما انتهى مع قومه إلى ما ذكر، و يئس من إجابتهم كتب مع دحية جواب كتابه الذي جاءه به، يقول فيه للنبى (صلى اللّه عليه و سلم): إنى مسلم، و لكنى مغلوب على أمرى.
و أرسل إليه بهدية، فلما قرأ رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) كتابه قال: «كذب عدو الله، ليس بمسلم، بل هو على نصرانيته»، و قبل هديته، و قسمها بين المسلمين.
و قال دحية فى قدومه:
ألا هل أتاها على نأيها* * * بأنى قدمت على قيصر
فقررته بصلاة المسيح* * * و كانت من الجوهر الأحمر
و تدبير ربك أمر السما* * * ء و الأرض فأغضى و لم ينكر
و قلت تفز ببشرى المسيح* * * فقال سأنظر قلت انظر
فكاد يقر بأمر الرسول* * * فمال إلى البدل الأعور
فشك و جاشت له نفسه* * * و جاشت نفوس بنى الأصفر
على وضعه بيديه الكتاب* * * على الرأس و العين و المنخر
فأصبح قيصر فى أمره* * * بمنزلة الفرس الأشقر
[١] انظر: التخريج السابق.
[٢] انظر: التخريج السابق.