الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٦١٥ - ذكر مقتل يزدجرد
فأقبلوا إلى مرو و خرج إليهم يزدجرد فى أصحابه، فقاتلهم و معه ماهويه فى أساورة مرو، فأثخن فى الترك حتى خشى ماهويه أن ينهزموا، فتحول إليهم فى أساورة مرو، فانهزم جند يزدجرد و قتلوا، و عقر عند المساء فرس يزدجرد، فمضى ماشيا هاربا حتى انتهى إلى بيت فيه رحى على شط المرغاب، فمكث فيه ليلتين، فطلبه ماهويه فلم يقدر عليه إلى أن دخل صاحب الرحى بيته فى اليوم الثانى، فرأى يزدجرد، فقال: ما أنت؟ إنسى أم جنى؟ قال: إنسى، فهل عندك طعام؟ قال: نعم، فأتاه به، فقال: إنى مزموم، فأتنى بما أزمزم به.
فذهب الطحان إلى بعض الأساورة، فطلب منه ما يزمزم به، قال: و ما تصنع به؟
فقال: عندى رجل لم أر مثله قط، و قد طلب هذا منى، فجاء الأسوار بالطحان إلى ماهويه، فأخبره فقال: هذا يزدجرد، اذهبوا فجيئونى برأسه، فقال له الموبذ: ليس ذلك إليك، قد علمت أن الدين و الملك مقترنان، لا يستقيم أحدهما إلا بالآخر، و متى فعلت انتهكت الحرمة العظيمة، و تكلم الناس فأعظموا ذلك، فشتمهم ماهويه و قال للأساورة:
من تكلم فاقتلوه، و أمر عدة فذهبوا مع الطحان ليقتلوا يزدجرد، فانطلقوا، فلما رأوه كرهوا قتله، و تدافعوا ذلك، و قالوا للطحان: ادخل فاقتله، فدخل عليه و هو نائم و معه حجر فشدخ به رأسه، ثم اجتزه فدفعه إليهم، و ألقى جسده فى المرغاب، فخرج قوم من أهل مرو فقتلوا الطحان و هدموا أرحاءه.
و ذكر الطبرى [١] حديثين مختلفين مطولين، و أحدهما أطول من الآخر يتضمن ضروبا من الاضطرابات تقلب فيها، و أنواعا من الدوائر دارت عليه، حتى كانت منيته آخرها، و فيه أن رجال ماهويه الذين وجههم لطلب يزدجرد و أمرهم بقتله لما انتهوا إلى الطحان، فسألوه عنه، فأنكره، فضربوه ليدل عليه فلم يفعل، فلما أرادوا الانصراف قال أحدهم:
إنى أجد ريح المسك، و نظر إلى طرف ثوب من ديباج فى الماء، فاجتذبه، فإذا هو يزدجرد، فسأله ألا يقتله و لا يدل عليه، و جعل له سواره و خاتمه و منطقته، فأبى عليه إلا أن يعطيه دراهم و يخلى عنه، و لم يكن ذلك عند يزدجرد، فقال: قد كنت أخبر أنى سأحتاج إلى أربعة دراهم، و قال للرجل: ويحك، خاتمى لك، و ثمنه لا يحصى، فأبى و أنذر أصحابه، فأتوه، فطلب إليهم يزدجرد ألا يقتلوه، و قال: ويحكم، إنا نجد فى كتبنا أن من اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله بالحريق فى الدنيا، مع ما هو قادم عليه، فلا تقتلونى و ائتوا بى إلى الدهقان، أو سرحونى إلى العرب، فإنهم يستحيون مثلى من
[١] انظر: الطبرى (٤/ ٢٩٨)، الأخبار الطوال (ص ١٣٩، ١٤٠).