الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥٩٢ - حديث اصطخر
و عن الحسن قال: قال عثمان بن أبى العاص يوم اصطخر: إن الله عز و جل إذا أراد بقوم خيرا كفهم و وفر أمانتهم، فاحفظوها، فإن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، فإذا فقدتموها جدد لكم فى كل يوم فقدان شيء من أموركم.
ثم إن شهرك خلع فى آخر إمارة عمر أو أول إمارة عثمان، (رحمهما الله)، و نشط فارس و دعاهم إلى النقض، فوجه إليه عثمان بن أبى العاص ثانية، و بعث معه جنودا أمد بهم عليهم عبيد الله بن معمر، و شبل بن معبد، فالتقوا بفارس، فقال شهرك لابنه و هو فى المعركة، و بينهم و بين قرية لهم تدعى ريشهر ثلاثة فراسخ، و كان بينهم و بين قرارهم اثنا عشر فرسخا: يا بنى، أين ترى أن يكون غداؤنا هنا أو بريشهر؟ فقال: يا أبت، إن تركونا فلا يكون غداؤنا هنا و لا بريشهر، و لا يكون إلا فى المنزل، و لكن و الله ما أراهم يتركوننا. فما فرغا من كلامهما حتى أنشب المسلمون القتال، فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل فيه شهرك و ابنه و قتل من المشركين مقتلة عظيمة، و ولى قتل شهرك الحكم بن أبى العاص أخو عثمان بن أبى العاص.
و ذكر الطبرى عن أبى معشر: أن اصطخر الآخرة كانت سنة ثمان و عشرين، و ذلك فى وسط إمارة عثمان بن عفان، رضى الله عنه.
و ذكر أيضا بسنده إلى عبيد الله بن سليمان قال: كان عثمان بن أبى العاص أرسل إلى البحرين، فأرسل أخاه الحكم فى ألفين إلى توج، و كان كسرى قد فر عن المدائن، و لحق بجور من أرض فارس.
قال الحكم: فقصد إلى شهرك، و كان كسرى أرسله، فهبطوا من عقبة، عليهم الحديد، فخشيت أن تغشى أبصار الناس، فأمرت مناديا فنادى: أن من كانت له عمامة فليلقها على عينه، و من لم يكن له عمامة فليغمض بصره، و ناديت: أن حطوا عن دوابكم. فلما رأى شهرك ذلك حط أيضا، ثم ناديت: أن اركبوا، و صففنا لهم، و ركبوا، فجعلت الجارود العبدى على الميمنة، و أبا صفرة، يعنى أبا المهلب، على الميسرة، فحملوا على المسلمين فهزموهم حتى ما أسمع لهم صوتا، فقال لى الجارود: أيها الأمير، الجند! فقلت: إنك سترى أمرك، فما لبثنا أن رجعت خيلهم، ليس عليهم فرسانهم، و المسلمون يتبعونهم يقتلونهم، فنثرت الرءوس بين يدى، و أتيت برأس ضخم، و كان معى بعض ملوكهم فارق كسرى و لحق بى، فقال: هذا رأس الازدهاق، يعنون شهرك، فحوصروا فى مدينة سابور، فصالحهم الحكم، و كان ملكهم آذربيجان، فاستعان به الحكم على قتال أهل اصطخر.