الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥٥٩ - حديث وقعة نهاوند
فخفت أن يأخذ علىّ مضيق أو بعض جبالها، و مضى طليحة فأبطأ حتى ساء ظن الناس به، فعلم علمهم ثم رجع فلم يمر بجماعة إلا كبروا، فأنكر ذلك منهم، و قال: ما لكم تكبرون إذا رأيتمونى؟ قالوا: ظننا أنك فعلت كفعلتك. قال: لو لم يكن دين لحميت أن أجزر العرب هذه الأعاجم الطماطم، و أخبر الناس بعدة القوم و كثرتهم، فقالوا: حسبنا الله و نعم الوكيل.
و أقام النعمان أياما حتى استجم الناس أنفسهم و ظهرهم، فلما كان يوم الأربعاء من بعض تلك الأيام دنا من عسكر المشركين، و قال: إن أمير المؤمنين كتب إلىّ أن لا أقاتلهم حتى أدعوهم، فمن رجل يأتيهم بكتابه؟ و معه فى عسكره ممن قدم من المدينة عبد الله ابن الزبير و عبد الله بن عمر أو الزبير و ابنه عبد الله، فتواكل الناس، فقام المغيرة بن شعبة يتذيل فى مشيته، و كان آدم طويلا ذا ضفيرتين أعور، فأخذ الكتاب فأتاهم، فقال: القوا إلىّ شيئا، فألقوا له ترسا فجلس عليه، فقال الترجمان: ما أقدمكم؟ فذكر ما كانوا فيه من ضيق المعيشة، و قال: كنا أهل جهد و جفاء بين شوك و حجر، و مدر وحية و عقرب، يغير بعضنا على بعض، فأتينا بلادكم فأصبنا مطعما طيبا و شرابا عذبا و لبوسا لينا و طلا باردا، فلسنا براجعين إلى ما كنا فيه حتى نصيب حاجتنا أو نموت.
فنظر بعضهم إلى بعض و قالوا: صدق، فقالوا: إنكم معشر العرب أرجاس أنجاس، و إنما غركم مناخر نبذ جوى الأهواز، و عوران المدائن الذين لقوكم، و إنه ليس ممن ترى إلا فارسى محض أسوار، و لو لا فساد الأرض لقتلناكم، فما حاجتكم التي تريدون أن تصيبوها؟ فقرأ عليهم المغيرة كتاب عمر: إنا ندعوكم إلى ما دعاكم الله إليه و رسوله، أن تدخلوا فى السلم كافة، فإن فعلتم فأنتم إخواننا، لكم ما لنا و عليكم ما علينا، فإن أبيتم الإسلام فالجزية، فإن أبيتم الجزية استنصرنا الله عليكم.
قالوا: الآن حين نقرنكم فى الجبال، فرجع المغيرة، فقال للنعمان: حبست الناس حتى طمحت أبصارهم، أما و الله إن لو كنت صاحبها؟ قال: ربما كنت، فلم يخزك الله و لم تخب. و نهض المسلمون للحرب، فأقبل ذو الحاجب على برذون أمام العجم، فقالوا:
انزلوا بالطائر الصالح الذي نصرتم به على الأمم، و تهزمون به العرب، فبرز له رجل من المسلمين فقتله ذو الحاجب، و تهايجوا و اقتتلوا حتى كثرت بينهم القتلى و الجرحى، ثم تحاجزوا، و غدا المشركون غداة الخميس من غد يجرون الحديد و يسحبون الدروع، و غدا المسلمون على راياتهم فتقدم رجل من العجم قد أعلم بعصابة فيها جواهر أمام أصحابه، فحمل عليه أوفى بن سبرة القشيرى فقتله و سلبه، فنفله النعمان سلبه، و حمل المشركون