الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥٥٤ - ذكر فتح السوس
الشقاء و البؤس سيغلبون على هذه المملكة، و تروث دوابهم فى إيوانات اصطخر و مصانع الملوك، و يشدون خيولهم بشجرها، و قد غلبوا على ما رأيتم، و ليس يلقون جندا إلا فلوه، و لا ينزلون بحصن إلا فتحوه، فانظروا لأنفسكم. قالوا: رأينا رأيك، قال: فليكفنى كل رجل منكم حشمه و المنقطعين إليه، فإنى أرى أن ندخل فى دينهم.
فوجهوا شيرويه فى عشرة من الأساورة إلى أبى موسى، فقدم عليه، فقال: إنا قد رغبنا فى دينكم، فنسلم على أن نقاتل العجم معكم، و إن قاتلنا أحد من العرب منعتمونا منهم، و ننزل حيث شئنا، و نكون فيمن شئنا منكم، و تلحقونا بأشرف العطاء، و يعقد لنا بذلك الأمير الذي هو فوقك، فقال أبو موسى: بل لكم ما لنا، و عليكم ما علينا، فقال:
لا نرضى.
و كتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، بأمرهم، فأجابه: أعطهم ما سألوك، فكتب لهم أبو موسى، فأسلموا، و شهدوا معه حصار تستر، فلم يكن أبو موسى يرى منهم جدا و لا نكاية، فقال لسياه: يا أعور، ما أنت و أصحابك كما كنا نرى، قال: لسنا مثلكم فى هذا الدين، و لا بصائرنا كبصائركم، و ليس لنا فيكم حرم نحامى عنهم، و لم تلحقونا بأشرف العطاء و لنا سلاح و كراع و أنتم حسر. فكتب أبو موسى إلى عمر فى ذلك، فكتب إليه: أن ألحقهم على قدر البلاء فى أفضل العطاء و أكثر شيء أخذه أحد من العرب. ففرض لمائة منهم فى ألفين ألفين، و لستة منهم فى ألفين و خمسمائة، لسياه و خسرو و ابنه مقلاص و شهريار و شهرويه و أفريذون، و إياهم عنى الشاعر بقوله:
و لما رأى الفاروق حسن بلائهم* * * و كان بما يأتى من الأمر أبصرا
فسن لهم ألفين فرضا و قد رأى* * * ثلاثمائين فرض عك و حميرا
قال: فحاصروا حصنا بفارس، فمشى سياه فى آخر الليل فى زى العجم حتى رمى بنفسه إلى جانب الحصن، و نضح ثيابه بالدم، و أصبح أهل الحصن، فرأوا رجلا فى زيهم صريعا، فظنوا أنه رجل منهم أصيبوا به، ففتحوا باب الحصن ليدخلوه، و ثار فقاتلهم حتى دخلوا عن باب الحصن و هربوا، ففتح الحصن وحده و دخله المسلمون، و قوم يقولون: فعل هذا الفعل سياه بتستر، و حاصروا حصنا آخر، فمشى خسرو إلى الحصن، فأشرف عليه رجل منهم فكلمه، فرماه خسرو بنشابة فقتله.