الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥٢٦ - حديث وقعة جلولاء
و عن بعض الرواة أن هاشما لما نزل على مهران بجلولاء جعل يقوم فى الناس، و يقول:
إن هذا منزل له ما بعده، و جعل سعد يمده بالفرسان حتى إذا كانوا أخيرا قال بعضهم لبعض: أبلوا الله بلاء حسنا يتم لكم عليه الأجر و المغنم، و اعملوا لله فإنكم ردء المسلمين، فالتقوا فاقتتلوا، و بعث الله عليهم ريحا أظلت عليهم البلاد، و لم يستطيعوا إلا المحاجزة، فتهافتت فرسانهم فى الخندق، فلم يجدوا بدا من أن يجعلوا فرضا مما يليهم، تصعد منه خيلهم، فأفسدوا حصنهم، و بلغ ذلك المسلمين، فنظروا إليه، فقالوا: ننهد إليهم ثانية فندخله عليهم أو نموت دونه، فلما نهدوا الثانية خرج القوم، فرموا حول الخندق مما يلى المسلمين بحسك الحديد لكيلا تقدم عليهم الخيول، و تركوا للمجال وجها، فخرجوا منه على المسلمين، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله و لا ليلة الهرير إلا أنه كان أكمش و أعجل، و انتهى القعقاع فى الوجه الذي زحف منه إلى باب خندقهم، فأخذ به، و أمر مناديا فنادى: يا معشر المسلمين، هذا أميركم قد دخل خندق القوم فأقبلوا إليه، و لا يمنعكم من بينكم و بينه من دخوله. و إنما فعل القعقاع ذلك ليقوى المسلمين، فحملوا حملة لم يقم لها شيء، حتى انتهوا إلى باب الخندق، و لا يشكون أن هاشما به، فإذا هو بالقعقاع قد أخذ به، و أخذ المشركون فى الهزيمة يمنة و يسرة عن المجال الذي بحيال خندقهم، فهلكوا فيما أعدوا للمسلمين فعقرت دوابهم، و عادوا رجالة، و اتبعهم المسلمون، فلم يفلت منهم إلا من لا يعد، و قتل الله منهم يومئذ مائة ألف، فجللت القتلى المجال و ما بين يديه و ما خلفه، فسميت جلولاء لما جللها من قتلاهم، فهى جلولاء الوقيعة.
و قال بعضهم: كان أشقى أهل فارس بجلولاء أهل الرى، كانوا بها حماة أهل فارس، ففنى أهل الرى يوم جلولاء.
و فى حديث عن محفز بن ثعلبة، و كان شهدها: أن أهل فارس لما رأوا أمداد المسلمين بادروا بقتالهم فى عددهم، ثم وصف من شدة قتالهم. قال: حتى أنفذوا النبل، و قصفوا الرماح حتى صاروا إلى السيوف و الطبرزينات و كانوا بذلك صدر نهارهم إلى الظهيرة، و لما حضرت الصلاة صلى الناس إيماء، حتى إذا كان بين الصلاتين خنست كتيبة من كتائب المشركين و جاءت أخرى فوقفت مكانها، فأقبل القعقاع على الناس، فقال:
أهالتكم هذه؟ قالوا: نعم، نحن مكلون و هم مريحون، و الكال يخاف العجز إلا أن يعقب، فقال: إنا حاملون حملة عليهم و مجادوهم و غير كافين عنهم و لا مقلعين عنهم حتى يحكم الله بيننا، فاحملوا حملة رجل واحد حتى تخالطوهم، و لا يكذبن أحد منكم. فحمل