الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥٢ - بيعة أبى بكر رضى الله عنه و ما كان من تحيز الأنصار إلى سعد بن عبادة فى سقيفة بنى ساعدة، و منتهى أمر المهاجرين معهم
قال: «لا تطرونى كما أطرى عيسى ابن مريم، و قولوا: عبد الله و رسوله» [١]؛ ثم إنه قد بلغنى أن فلانا قال: لو و الله قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغرن امرأ أن يقول: إن بيعة أبى بكر كانت فلتة فتمت، و إنها قد كانت كذلك إلا أن الله قد وقى شرها، و ليس فيكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبى بكر، فمن بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له هو و لا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا، إنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه (صلى اللّه عليه و سلم) أن الأنصار خالفوا فاجتمعوا بأشرافهم فى سقيفة بنى ساعدة، و تخلف عنا على بن أبى طالب و الزبير بن العوام و من معهما، و اجتمع المهاجرون إلى أبى بكر، فقلت لأبى بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين، اقضوا أمركم. قال: قلت: و الله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم فى سقيفة بنى ساعدة، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ فقالوا:
وجع. فلما جلسنا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو له أهل، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله و كتيبة الإسلام، و أنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، و قد دفت دافة من قومكم.
قال: و إذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا و يغصبونا الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم و قد زورت فى نفسى مقالة قد أعجبتنى، أريد أن أقدمها بين يدى أبى بكر، و كنت أدارى منه بعض الحد، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر. فكرهت أن أعصيه، فتكلم، و هو كان أعلم منى و أوقر، فو الله ما ترك من كلمة أعجبتنى من تزويرى إلا قالها فى بديهته أو مثلها أو أفضل منها حتى سكت.
قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، و لن تعرف العرب هذا الأمر إلا هذا الحى من قريش، هم أوسط العرب نسبا و دارا، و قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، و أخذ بيدى و بيد أبى عبيدة بن الجراح و هو جالس بيننا، و لم أكره شيئا مما قال غيرها، كان و الله أن أقدم فتضرب عنقى لا يقربنى ذلك إلى إثم أحب إلى من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر.
قال: فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحك و عذيقها المرجب، منا أمير و منكم
[١] انظر الحديث فى: سنن الدارمى (٢/ ٢٧٨٤)، مسند الإمام أحمد (١/ ٢٣، ٢٤، ٤٧، ٥٥)، مصنف عبد الرزاق (١١/ ٢٠٥٢٤).