الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥١٨ - ذكر فتح المدائن و ما نشأ بينه و بين القادسية من الأمور
و قال الشعبى [١]: بعث سعد إلى العيالات فأنزلهم الدور لما قسمها و فيها المرافق، فأقاموا بالمدائن حتى فرغوا من جلولاء و حلوان و تكريت و الموصل، ثم تحولوا إلى الكوفة بعد.
قالوا: و جمع سعد الخمس، و أدخل فيه كل شيء أراد أن يعجب به عمر، من ثياب كسرى و حلية و سيفه و نحو ذلك، و نفل من الأخماس فى أهل البلاء، و لم يجهدها، و فضل بعد القسم بين الناس، و إخراج الخمس، القطف فلم يعتدل، فقال للمسلمين: هل لكم فى أن تطيب أنفسنا عن أربعة أخماسه، و نبعث به إلى عمر فيضعه حيث يرى، فإنا لا نراه يتفق: و هو بيننا قليل، و هو يقع من أهل المدينة موقعا؟ فقالوا: نعم، فبعث به على ذلك الوجه، و القطف هو بهار كسرى ثقل عليهم أن يذهبوا به، فتركوه بالمدائن، فأصابه المسلمون، و كان بساطا واحدا ستين ذراعا فى ستين ذراعا فيه طرز كالسور و فصوص كالأنهار، و فى خلال ذلك كالدير، فى حافاته كالأرض المزروعة و الأرض المبقلة بالنبات فى الربيع من الحرير على قضبان الذهب و نواره بالذهب و الفضة و أشباه ذلك. و كانوا يعدونه للشتاء إذا ذهبت الرياحين، فكان إذا أرادوا الشراب شربوا عليه، فكأنهم فى رياض، و كانت العرب تسميه القطف، فبعث به سعد مع الأخماس إلى عمر، رضى الله عنه، مع بشير بن الخصاصية، فلما قدم عليه نفل من الخمس أناسا، و قال: إن الأخماس ينفل منها من شهدها و من غلب من أهل البلاء فيما بين الخمسين، و لا أرى القوم جهدوا الخمس، ثم قسم الخمس فى مواضعه، ثم قال: أشيروا علىّ فى هذا القطف. فأجمع ملؤهم على أن قالوا: قد جعلوا ذلك لك، فراء رأيك، إلا ما كان من على، رضى الله عنه، فإنه قال: يا أمير المؤمنين، الأمر كما قالوا: و لم يبق إلا التروية، إنك إن تقبله اليوم على هذا لم تعدم فى غد من يستحق به ما ليس له، قال: صدقتنى و نصحتنى.
و فى رواية أن عمر، رضى الله عنه، استشارهم فيه، فمن بين مشير بقبضه، و آخر مفوض إليه، و آخر مرفق، فقام على، رضى الله عنه، حين رأى عمر تأنى حتى انتهى إليه، فقال: لم تجعل علمك جهلا، و يقينك شكّا إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فامضيت، أو لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت. قال: صدقتنى، فقطعه فقسمه بين الناس، فأصاب عليا قطعة منه، فباعها بعشرين ألفا، و ما هى بأجود تلك القطع.
و ذكر المدائنى أن عمر حين قال له على: إن بلته لم تعدم بعدك من يستحق مأثما
[١] انظر: الطبرى (٤/ ٢١).