الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥١٢ - ذكر فتح المدائن و ما نشأ بينه و بين القادسية من الأمور
فيروى أنه بينا سعد و المسلمون كذلك إذ سمعوا ليلا قائلا يقول: يا معشر المسلمين، هذه المدائن قد غلقت أبوابها و غيبت السفن و قطعت الجسور فما تنتظرون، فربكم الذي يحملكم فى البر هو الذي يحملكم فى البحر، فندب سعد الناس إلى العبور، فأتاه قوم من العجم ممن قد اعتقد منه ذمة فقالوا: ندلك على موضع أقل غمرا من هذا، فدلوه على ديلمايا [١].
و قيل [٢]: إن سعدا رأى رؤيا كأن خيول المسلمين اقتحمت دجلة فعبرتها، و قد أقبلت من المد بأمر عظيم، فعزم على تأويل رؤياه على العبور، و فى سنة جود صيبها متتابع، فجمع الناس فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم معه، و هم يخلصون إليكم إذا شاءوا، فيناوشونكم فى سفنهم، و ليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه، فقد كفاكموهم أهل الأيام، و أعطوا ثغورهم، و أفنوا ذادتهم، و قد رأيت من الرأى أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصدكم الدنيا: ألا إنى قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم، فقالوا جميعا: عزم الله لنا و لك على الرشد فافعل، فقال: من يبدأ و يحمى لنا الفراض حتى يتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم الخروج؟
فانتدب له عاصم بن عمرو أول الناس، و انتدب معه ستمائة من أهل النجدات، و استعمل عليهم عاصما، فسار فيهم حتى وقف على شاطئ دجلة فقال: من ينتدب معى لنمنع الفراض من عدوكم حتى تعبروا؟ فانتدب له ستون فجعلهم نصفين على خيول إناث و ذكور، ليكون أسلس لعوم الخيل، ثم اقتحموا دجلة و اقتحم بقية الستمائة على أثرهم و قد شدوا على خيولهم حزمها و ألبابها و قرطوها أعنتها و شدوا عليهم أسلحتهم، فلما رأتهم الأعاجم و ما صنعوا أعدوا للخيل التي تقدمت خيلا مثلها، فاقتحموا إليهم دجلة، فلقوا عاصما فى السرعان، و قد دنا من الفراض، فقال: الرماح الرماح أشرعوها و توخوا العيون، فالتقوا، فاطعنوا فى الماء، و توخى المسلمون عيونهم، فتولوا نحو البر و المسلمون يشمسون بهم خيلهم حتى ما يملكون منها شيئا، فلحقوا بهم فى البر فقتلوا عامتهم، و نجا باقيهم عورانا. و نزلت بالمسلمين خيولهم حتى انتقضت على الفراض، و تلاحق باقى الستمائة بأوائلهم الستين غير متعتعين.
و يروى أن أولئك الستين خرجوا يومئذ من دجلة منقطعين زمرا، الزمرة الأولى تسعة فيهم عاصم، و الثانية ثمانية عشر، و الثالثة ثلاثة و ثلاثون، و يومئذ سميت كتيبة عاصم هذه كتيبة الأهوال، لما رأى منهم فى الماء و الفراض.
[١] ديلمايا: موضع بالعراق على دجلة. انظر الخبر و التعريف فى: الروض المعطار (ص ٢٤٩).
[٢] انظر: الطبرى (٤/ ٩، ١٠).