الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥١٠ - ذكر فتح المدائن و ما نشأ بينه و بين القادسية من الأمور
فرأيك. فأجابه عمر: إن من أتاكم من الفلاحين إذا كانوا مقيمين لم يعينوا عليكم فهو أمانهم، و من لم يأتكم و لم يهرب فهو أمانهم، و من هرب فأدركتموه فشأنكم به.
فلما جاء سعدا الكتاب خلى عنهم. و راسله الدهاقين، فدعاهم إلى الإسلام أو الجزاء و لهم الذمة و المنعة، فرضوا بالجزية و المنعة، و لم يبق فى غربى دجلة إلى أرض العرب سوادى إلا أمن و اغتبط بملك الإسلام و استقبلوا الخراج.
و أقام سعد بالناس على بهرسير يرمونهم بالمجانيق و يدبون إليهم بالدبابات، و يقاتلونهم بكل عدة.
قال بعضهم: و كان سعد عند ما نزلها و عليها خنادقها و حرسها و عدة الحرب استصنع شيرزاذ المجانيق فنصب على أهلها عشرين منجنيقا فشغلهم بها، و كان الأعاجم و العرب مطيفين بهم، و ربما خرجوا يمشون على المسنيات المشرفة على دجلة فى جماعتهم و عدتهم لقتال المسلمين، فلا يقومون لهم، فكان آخر ما خرجوا فى رجالة و ناشبة، و تجردوا للحرب، و تتابعوا على الصبر، فقاتلهم المسلمون فكذبوا و توالوا، و كانت على زهرة بن الجوية يومئذ درع مفصومة، فقيل له: لو أمرت بهذا الفصم فسرد فقال: و لم؟ فقالوا: إنا نخاف عليك منه، فقال: إنى لكريم على الله، أن ترك سهم فارس الجند كلهم ثم أتانى من هذا الفصم حتى يثبت فىّ، فكان أول رجل من المسلمين أصيب يومئذ بنشابة، فثبتت فيه من ذلك الفصم، فقال بعضهم: انزعوها عنه، فقال: دعونى، فإن نفسى معى ما دامت فىّ، لعلى أن أصيب فيهم بطعنة أو بضربة أو خطوة، فمضى نحو العدو، فضرب بسيفه شهربراز من أهل اصطخر، فقتله، و أحيط به فقتل و انكشفوا.
و سيأتى بعد من أخبار زهرة بن الجوية و آثاره فى الوقائع التي لا شك فى كونها بعد هذه ما يوهن خبر قتله المذكور آنفا، و الأولى بحسب هذا إن شاء الله أن يكون غير زهرة هو صاحب هذه القصة؛ إذ قد ذكر المدائنى أن هاشم بن عتبة قال لزهير بن سليم الأزدى، قال: و يقال لغيره، و رأى فى درعه فصما، إنى لا آمن أن تصيبك نشابة فى هذا الموضع، فلو سردته قال: لئن تركت نشابة الفارسى جسدى كله إلا هذا الموضع إنى إذا لسعيد، ثم ذكر نحو ما تقدم، فالله أعلم.
و قال أنيس بن الحليس [١]: بينا نحن محاصرون بهرسير بعد زحفهم و هزيمتهم، أشرف علينا رسول فقال: إن الملك يقول لكم: هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من
[١] انظر: الطبرى (٤/ ٧).