الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٨٦ - حديث يوم عماس، و هو اليوم الثالث من أيام القادسية
فجذبه المقود فقلبه عنه، فقام إليه و هو يسحب فافترسه، فجعل أصحابه المسلمون يصيحون به، فقال: صيحوا ما بدا لكم، فو الله لا أفارقه حتى أقتله ثم أسلبه، فذبحه و سلبه، ثم أتى سعدا بالسلب فنفله إياه، فباعه باثنى عشر ألفا.
قالوا [١]: و لما رأى سعد الفيلة تفرق الناس، و عادت لفعلها يوم أرماث، سأل: هل لها مقاتل؟ فقيل له: نعم، المشافر و العيون لا تنتفع بها بعدها، فأرسل إلى القعقاع و أخيه عاصم: أن اكفيانى الفيل الأبيض، و كان بإزائهما، فأخذ القعقاع و عاصم رمحين أصمين لينين و دنوا فى خيل و رجل، و قالا: اكتنفوه لتحيروه، و فعل الآخران مثل ذلك، فلما اكتنف الفيلان نظر كل واحد منهما يمنة و يسرة و هما يريدان أن يتخبطا، فحمل القعقاع و عاصم و الفيل البيض متشاغل بمن حوله فوضعا رمحيهما معا فى عينيه، و قبع و نفض رأسه فطرح سائسه و دلى مشفره، فنفخه القعقاع و رمى به و وقع لجنبه، و قتلوا كل من كان عليه، و قال حمال لصاحبه و قد قصدا إلى الفيل الأجرب: إما أن تضرب المشفر و أطعن فى عينه، أو تطعن فى عينه و أضرب مشفره، فاختار صاحبه الضرب، فحمل عليه حمال و هو متشاغل بملاحظة من اكتنفه، لا يخاف سائسه إلا على بطانه فطعنه فى عينه، فأقعى، ثم استوى فنفخه الآخر، فأبان مشفره، و بصر به السائس ففقر أنفه و جبينه بفأسه.
و يروى أن الفيلين صاحا عند ذلك صياح الخنزير، ثم ولى الأجرب الذي عور فوثب فى العتيق، فاتبعته الفيلة فخرقت صف الأعاجم، فعبرت العتيق فى أثره فبيتت المدائن فى توابيتها و هلك من فيها.
و قيل: إنه بقى منها الفيل الأبيض، لم يبق فى المعركة غيره، و إن الناس رشقوا مشافر الفيلة، فعند ذلك انبعث الفيل الآخر فلم تنته عن المدائن، و كانت تفعل بالناس الأفاعيل فاستقام للناس بعدها وجه القتال، و خلصوا بأهل فارس، فاجتلدوا على جرد بالسيوف حتى أمسوا و هم فى ذلك على السواء.
فكان يوم عماس من أوله إلى آخره شديدا، العرب و العجم فيه على السواء، و لا يكون بينهم لفظة إلا تقاولها الرجال بالأصوات حتى تبلغ يزدجرد بالمدائن، إذ كان قد أمر رستم بأن يرتب الرجال على الطريق بينهما ليبلغه بالتنادى ما يطرأ فى العسكر من حينه، فيرسل إليهم أهل النجدات ممن بقى عنده فيتقوون بهم، و أصبحت عنده للذى
[١] انظر: الطبرى (٣/ ٥٥٥، ٥٥٦).