الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٨١ - ذكر اليوم الثانى من أيام القادسية، و هو يوم أغواث
فارسهم، فحملوا و حمل الناس حملة واحدة فانتهوا إليه و قد رمى فرسه بنشابة فسب فصرعه و عار، و أخر عمرا عنه المشركون، و ذلك بعد ما طعنوه، و إن سيفه لفى يده يضاربهم به.
فلما رأى أصحابه أخذ برجل فرس أسوار فاحتبسه، و إن الفارسى ليضرب فرسه فما يتحرك، فلما غشيه الجمع رمى بنفسه و خلا فرسه فركبه عمرو، و قال: أنا أبو ثور كدتم تفقدوننى، و ثبت عمرو يقاتل فارسا و راجلا، إذا قاتل راجلا شد مقود فرسه فى وسطه و قاتل.
و تزاحف الناس فقال رجل من المسلمين لرجل من الأنصار: أعرنى ترسك، قال: ما بى عنه غنى، و لكن أى أتراس العجم تريد أتيتك به إن شاء الله، فأشار له إلى ترس مذهب، فحمل فلم يزل يقاتل حتى خلص إلى صاحب الترس فقتله و استلب ترسه، فأتى به صاحبه، فقال: دونك.
و صار الناس إلى السيوف، فقاتلوا حتى اعتموا و تحاجزوا عند العتمة عن قتلى و جرحى كثير فى الفريقين، و قتل يومئذ رجل من طيئ يكنى أبا كعب رجلا من المشركين، و أخذ قلنسوته فلبسها، و أقبل يعدو به فرسه و هو يقاتل، فنظر إليه رجل من بجيلة يقال له مضرس، و هو يقاتل، فظن أنه من الفرس فطعنه، فقال: بسم الله، قتلتنى، فقال مضرس: إنا لله و عانقه، فقال: غفر الله لك يا أخى، فبكى مضرس و احتمل أبو كعب، فقال سعد: الشهادة لا تقاد، و لا كل ميتة مظنون غيرها، و لكن من أحب أخذ الدية، فكان مضرس يأتيه يعوده فيبكى حتى تبل دموعه لحيته، و يقول أبو كعب: غفر الله لك يا أخى.
و قال أبو كعب:
لعمرى لقد ثارت رماح مضرس* * * بعلج هوى فى الصف من آل فارس
ثم مات أبو كعب بعد أيام من تلك الطعنة، و صفح وليه عن الدية.
و يروى أنه عرض مثل هذا بعينه لرجل آخر من طيئ، أيضا، يقال له: بجير بن عميرة، و كان أحمر شبيها بالعجم، فاستلب رجلا من أهل فارس رايته فأقبل بها، فبصر به رجل من كندة يدعى فروة، فحمل عليه فطعنه، فأصاب مقتله، فنادى بجير: بسم الله، فاعتنقه فروة، فأتيا سعدا فقال لهما: إن الشهادة لا ثواب لها فى الدنيا، و لكن كفوا العجلات.