الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٨ - ذكر مصيبة الأولين و الآخرين من المسلمين بوفاة رسول الله
فلما فرغ من خطبته التفت إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال: يا عمر، أنت الذي بلغنى عنك أنك تقول على باب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): و الذي نفس عمر بيده ما مات نبى الله أ ما علمت أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قال يوم كذا: كذا و كذا، و قال يوم كذا: كذا و كذا، و قال الله تعالى فى كتابه: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [٣٠: الزمر]. فقال عمر: و الله لكأنى لم أسمع بها فى كتاب الله تعالى قبل ذلك لما نزل بنا، أشهد أن الكتاب كما نزل و أن الحديث كما حدث و أن الله تبارك و تعالى حى لا يموت، صلوات الله على رسوله، و عند الله نحتسب رسوله.
و فى بعض سياق هذا الخبر أن أبا بكر رضى الله عنه لما دخل على رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فى بيت عائشة و رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) مسجى فى ناحية البيت عليه برد حبرة، أقبل حتى كشف عن وجه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) ثم أقبل عليه فقبله، ثم قال: بأبى أنت و أمى، أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا، ثم رد البرد على وجه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) ثم خرج و عمر يكلم الناس، فقال: يا عمر، أنصت. فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل يكلم الناس، فلما سمع الناس كلام أبى بكر أقبلوا عليه و تركوا عمر؛ فحمد الله أبو بكر و أثنى عليه، ثم قال:
يا أيها الناس، إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، ثم تلا هذه الآية: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [آل عمران: ١٤٤] إلى آخر الآية.
قال: فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ؛ و أخذها الناس عن أبى بكر، فإنما هى فى أفواههم.
و قال عمر رضى الله عنه: و الله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت [١] حتى وقعت إلى الأرض، ما تحملنى رجلاى، و عرفت أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قد مات [٢].
و قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه فيما كان منه يومئذ:
لعمرى لقد أيقنت أنك ميت* * * و لكنما أبدى الذي قلته الجزع
و قلت يغيب الوحى عنا لفقده* * * كما غاب موسى ثم يرجع كما رجع
و كان هواى أن تطول حياته* * * و ليس لحى فى بقا ميت طمع
[١] عقرت: أى دهشت و تحيرت.
[٢] انظر الحديث فى: صحيح البخاري فى كتاب فضائل الصحابة (٧/ ٣٦٦٧- ٣٦٦٨).