الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٧ - ذكر مصيبة الأولين و الآخرين من المسلمين بوفاة رسول الله
ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات، و الله ليرجعن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) كما رجع موسى، فليقطعن أيدى رجال و أرجلهم زعموا أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) مات.
و أما عثمان بن عفان رضى الله عنه فأخرس حتى جعل يذهب به و يجاء و لا يتكلم.
و أقعد على رضى الله عنه فلم يستطع حراكا. و أضنى عبد الله بن أنيس.
و بلغ الخبر أبا بكر رضى الله عنه و هو بالسنح فجاء و عيناه تهملان و زفراته تترد فى صدره و غصصه ترتفع كقطع الحرة و هو فى ذلك (رضوان الله عليه) جلد العقل و المقالة، حتى دخل على رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فأكب عليه و كشف عن وجهه و مسحه و قبل جبينه و جعل يبكى و يقول: بأبى أنت و أمى طبت حيا و ميتا، و لنقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوة، فعظمت عن الصفة، و جللت عن البكاء، و خصصت حتى صرت مسلاة، و عممت حتى صرنا فيك سواء، و لو لا أن موتك كان اختيارا لجدنا لموتك بالنفوس، لو لا أنك نهيت عن البكاء لأنفذنا عليك ماء الشون، فأما ما لا نستطيع نفيه عنا فكمد و أدناف يتخالفان لا يبرحان، اللهم فأبلغه عنا، اذكرنا يا محمد عند ربك و لنكن من بالك، فلو لا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة، اللهم أبلغ نبيك عنا و احفظه فينا. ثم خرج إلى الناس و هم فى عظيم غمراتهم و شديد سكراتهم فقام فيهم بخطبة جلها الصلاة على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و قال فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن محمد عبده و رسوله و خاتم أنبيائه، و أشهد أن الكتاب كما نزل و أن الدين كما شرع، و أن الحديث كما حدث، و أن القول كما قال، و أن الله هو الحق المبين ... فى كلام طويل، ثم قال:
أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، و إن الله قد تقدم إليكم فى أمره فلا تدعوه جزعا، قال الله تبارك و تعالى:
وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤]. و إن الله سبحانه قد اختار لنبيه (صلى اللّه عليه و سلم) ما عنده على ما عندكم، و قبضه إلى ثوابه، و خلف فيكم كتابه و سنة نبيه، فمن أخذ بهما عرف و من فرق بينهما أنكر، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [النساء: ١٣٥] و لا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم، و لا يلفتنكم عن دينكم، فعاجلوا الشيطان بالخزى تعجزوه و لا تستنظروه فليلحق بكم.