الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٦٢ - تأمير عمر، رضى الله عنه، سعد بن أبى وقاص على العراق و ذكر الخبر عن حرب القادسية
قال رستم: ارجع إلى أصحابك و استعدوا للحرب، فليس بيننا و بينكم صلح، و لنفقأن عينك غدا.
فقال المغيرة: و أنت ستقتل غدا إن شاء الله، و إن ما قلت لى ليسرنى، لو لا أن أجاهدكم بعد اليوم لسرنى أن تذهبا جميعا.
و رجع المغيرة فتعجبوا من قوله. فقال رستم: ما أظن هذا الملك إلا قد انقضى، و أن أجمل بنا أ لا يكون هؤلاء أصبر منا، و لقد وعدوا وعدا ليموتن أو ليدركنه، و لقد حذروا و خوفوا من الفرار خوفا لا يأتونه، و قد رأيت ليلتى هذه كأن القوس التي فى السماء خرت، و كأن الحيتان خرجن من البحر، و أن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم، فهل لكم أن تقبلوا بعض ما عرضوا عليكم؟ قالوا: لا.
قال: فأنا رجل منكم، و كتب إلى يزدجرد بما كلمه به المغيرة، فقال شاهين الأزدى:
لو لم يكن إلا ساسة دوابنا لأخذناهم بهم. فكتب إليه أمره بقتالهم، و قال: إذا لقيتهم فضع الرجال فيما بينى و بينك، على كل ربوة رجلا، فكلما حدث أمر نادى به بعضهم بعضا حتى يفضى الخبر إلىّ.
و حدث سيف [١] عن رجاله، قالوا: أرسل إليهم سعد بقية ذوى الرأى جميعا، و حبس الثلاثة، فخرجوا حتى أتوه، فقالوا له: إن أميرنا يقول لك: إن الحرب تحفظ الولاة، و إنى أدعوك إلى ما هو خير لنا و لك، و هى العاقبة بأن تقبل منا ما دعاك الله، عز و جل، إليه، و نرجع إلى أرضنا، و ترجع إلى أرضك و بعضنا من بعض، إلا أن داركم لكم، و أمركم فيكم، و ما أصبتم مما وراءكم كان زيادة لكم دوننا، و كنا لكم عونا على أحد إن أرادكم أو قوى عليكم. و اتق الله يا رستم، و لا يكونن هلاك قومك على يديك، فإنه ليس بينك و بين أن تغتبط إلا أن تدخل فيه و تطرد به الشيطان عنك.
فقال رستم: إنى قد كلمت منكم نفرا، و لو أنهم فهموا عنى رجوت أن تكونوا قد فهمتم، و إن الأمثال أوضح من كثير من الكلام، و سأضرب لكم مثلكم. إنكم كنتم أهل جهد فى المعيشة، و قشف فى الهيئة، لا تمتنعون و لا تنتصفون، فلم نسئ جواركم، و لم ندع مواساتكم، تقتحمون المرة بعد المرة، فنميركم ثم نردكم، و تأتوننا أجراء و تجارا فنحسن إليكم، فلما تطعمتم طعامنا، و شربتم شرابنا، و أظلكم ظلنا، وصفتم ذلك لقومكم، ثم دعوتموهم فأتيتمونا بهم، و إنما مثلكم فى ذلك و مثلنا كمثل رجل كان له
[١] انظر: الطبرى (٣/ ٥٢٥- ٥٢٨).