الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٦ - ذكر مصيبة الأولين و الآخرين من المسلمين بوفاة رسول الله
و قالت عائشة: توفى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بين سحرى و نحرى، و فى دولتى [١]، لم أظلم فيه أحدا، فمن سفهى و حداثة سنى أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قبض و هو فى حجرى، ثم وضعت رأسه على وسادة، و قمت التدم مع النساء، و أضرب وجهى [٢].
و اختلف أهل العلم بهذا الشأن فى اليوم الذي توفى فيه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) من الشهر بعد اتفاقهم على أنه توفى يوم الاثنين فى شهر ربيع الأول.
فذكر الواقدى و جمهور الناس أنه توفى يوم الاثنين لاثنتى عشرة خلت من ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه المدينة، و هذا لا يصح، و قد جرى فيه على العلماء من الغلط ما علينا بيانه، و ذلك أن المسلمين قد أجمعوا على أن وقفة النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بعرفة فى حجة الوداع كانت يوم الجمعة تاسع ذى الحجة من سنة عشر، فاستهل هلال ذى الحجة على هذا ليلة الخميس، ثم لا يخلو شهر ذى الحجة و المحرم بعده من سنة إحدى عشرة ثم صفر بعده أن تكون هذه الأشهر الثلاثة كاملة كلها أو ناقصة كلها، أو اثنان منها كاملين و واحد ناقصا، أو اثنان منها ناقصين و واحد كاملا، و أيا ما قدرت من ذلك و اعتبرته لم تجد الثانى عشر من ربيع الأول يكون يوم الاثنين أصلا.
و ذكر أبو جعفر الطبرى بإسناد يرفعه إلى فقهاء أهل الحجاز، قالوا: قبض رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) نصف النهار يوم الاثنين لليلتين مضتا من شهر ربيع الأول.
و هذا القول و إن خالف ما ذكره جهور العلماء فإنه أولى بالصواب، و أمكن أن يكون حقا، فإنه إن كانت الأشهر الثلاثة كل شهر منها من تسعة و عشرين يوما كان استهلال شهر ربيع الأول على ذلك بالأحد فكان يوم الاثنين ثانيه.
و قد حكى الخوارزمى أنه (صلى اللّه عليه و سلم) توفى أول يوم من شهر ربيع الأول، و هذا أيضا أمكن و أكثر إذ اتصال النقص فى ثلاثة أشهر لا يكون إلا قليلا، و الله تعالى أعلم.
و لما توفى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و ارتفعت الرنة عليه و سجته الملائكة دهش الناس كما روى عن غير واحد من الصحابة و طاشت عقولهم، و أفحموا، و اهتلطوا، فمنهم من خبل، و منهم من أصمت، و منهم من أقعد إلى الأرض، فكان عمر رضى الله عنه ممن خبل، فجعل يصيح و يقول: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) توفى و إنه و الله ما مات، و لكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين
[١] فى دولتى: أى فى نوبتها.
[٢] انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٦/ ٤٨/ ١٢١، ٢٠٠، ٢٧٤)، صحيح البخاري (٣/ ١٣٨٩).