الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٥٥ - تأمير عمر، رضى الله عنه، سعد بن أبى وقاص على العراق و ذكر الخبر عن حرب القادسية
عليك، و لو لم أكن أميرا لم أدعك. فقال عمرو بعد أن شهد لقيس نفر باستعمال سعد إياه عليه و على طليحة: و الله يا قيس، إن زمانا تكون علىّ فيه أميرا لزمان سوء؛ لأن أرجع عن دينكم هذا إلى دينى الذي كنت عليه و أقاتل عليه حتى أموت أحب إلىّ أن تؤمر علىّ ثانية، و لئن عاد صاحبك الذي بعثك لمثلها لنفارقنه، قال: ذلك إليك بعد مرتك هذه، فرده، فرجع إلى سعد بالخبر و بأعلاج و أفراس، و شكا كل واحد منهما لصاحبه، أما قيس فشكا عصيان عمرو، و أما عمرو فشكا طاعة قيس، فقال سعد: يا عمرو، الخير و سلامة مائة أحب إلىّ من مصاب مائة تقتل ألفا، أتعمد إلى حلبة فارس فتصادمهم بمائة؟ إن كنت لأراك أعلم بالحرب مما أرى. فقال له عمرو: إن الأمر لكما.
قلت: و خرج طليحة حتى أتى النجف فدخل عسكر رستم فى ليلة مقمرة، فتوسم فيه، فهتك أطناب بيت رجل عليه و اقتاد فرسه، ثم خرج حتى مر بعسكر ذى الحاجب، فهتك على آخر بيته و حل فرسه، ثم خرج حتى أتى الخرار و اتبعه هؤلاء، فكان أولهم لحاقا به الجالينوس ثم الحاجبى ثم النخعي، فأصاب الأولين و أسر الآخر، و أتى به سعدا فأخبره، و أسلم فسماه سعد مسلما، و لزم طليحة فكان معه فى تلك المغازى كلها.
و عن موسى بن طريف، أيضا، قال: قال سعد لقيس بن هبيرة: أخرج يا عاقل، فإنه ليس وراءك من الدنيا شيء تحنو عليه حتى تأتينى بخبر القوم، فخرج، و سرح معه عمرو ابن معدى كرب و طليحة، فلما جاز القنطرة لم يسر إلا يسيرا حتى انتهى إلى خيل عظيمة منهم بحيالها ترد عن عسكرهم، و إذا رستم قد ارتحل من النجف فنزل منزل ذى الحاجب، و ارتحل الجالينوس فنزل ذو الحاجب منزله، و نزل الجالينوس بطيزناباذ [١]، و قدم تلك الخيل، فقال قيس: قاتلوا عدوكم يا معشر المسلمين. فأنشب القتال، و طاردهم ساعة، ثم حمل عليهم، فكانت هزيمتهم، و أصاب منهم اثنى عشر رجلا، و أسر ثلاثة، و أصاب أسلاب، فأتوا سعدا بالغنيمة و أخبروه الخبر، فقال: هذه بشرى إن شاء الله، إذا لقيتم جمعهم الأعظم وحدهم، فلهم أمثالها، و دعا عمرا و طليحة، فقال: كيف رأيتما قيسا؟ فقال طليحة: رأيناه أكيس منا، و قال عمرو: الأمير أعلم بالرجال منا، فقال سعد:
إن الله أحيا بالإسلام قلوبا كانت ميتة، و أمات به قلوبا كانت حية، و إنى أحذركما أن تؤثرا أمر الجاهلية على أمر الإسلام، فتموت قلوبكما و أنتما حيان، الزموا السمع و الطاعة و الاعتراف بالحقوق، فما رأى الناس كأقوام أعزهم الله بالإسلام.
[١] طيزناباذ: موضع بين الكوفة و القادسية على حافة الطريق، بينها و بين القادسية ميل. انظر:
معجم البلدان (٤/ ٥٤، ٥٥).