الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٤ - ذكر مصيبة الأولين و الآخرين من المسلمين بوفاة رسول الله
الجيش الذي كان تهيأ للخروج معه فى بعثه قال: فدخلت على رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و قد أصمت فلا يتكلم، و جعل يرفع يديه إلى السماء، ثم يضعهما على، أعرف أنه يدعو لى.
و ذكر ابن إسحاق [١]: من حديث أبى بكر بن عبد الله بن أبى مليكة أن مما تكلم به رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) للناس يوم صلى قاعدا عن يمين أبى بكر أن قال لهم لما فرغ من الصلاة و أقبل عليهم فكلمهم رافعا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد، يقول: «يا أيها الناس، سعرت النار، و أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، إنى و الله ما تمسكون على بشيء، إنى لم أحل إلا ما أحل القرآن، و لم أحرم إلا ما حرم القرآن».
قال: فلما فرغ رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) من كلامه قال له أبو بكر: يا رسول الله، إنى أراك قد أصبحت بنعمة من الله و فضل كما نحب، و اليوم يوم بنت خارجة، أ فآتيها؟ قال: «نعم»، ثم دخل رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و خرج أبو بكر إلى أهله بالسنح [٢].
و عن عبد الله بن عباس قال: خرج يومئذ على بن أبى طالب رضى الله عنه على الناس من عند رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فقال له الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)؟
قال: أصبح بحمد الله بارئا. قال: فأخذ العباس بيده، ثم قال: يا على، أنت و الله عبد العصا، بعد ثلاث مرات، أحلف بالله لقد رأيت الموت فى وجه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) كما كنت أعرفه فى وجوه بنى عبد المطلب، فانطلق بنا إلى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فإن كان هذا الأمر فينا عرفناه، و إن كان فى غيرنا أمرناه فأوصى بنا الناس. فقال على: إنى و الله لا أفعل، و الله لئن منعناه لا يؤتيناه أحد بعده، فتوفى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) حين اشتد الضحى من ذلك اليوم.
و قالت عائشة رضى الله عنها: رجع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فى ذلك اليوم حين دخل المسجد فاضطجع فى حجرى، فدخل على رجل من آل أبى بكر و فى يده سواك أخضر، فنظر إليه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فى يده نظرا عرفت أنه يريده، فقلت: يا رسول الله، أ تحب أن أعطيك هذا السواك؟ قال: «نعم»، قالت: فأخذته فمضغته له حتى لينته، ثم أعطيته إياه؛ قالت: فاستن به كأشد ما رأيته استن بسواك قط، ثم وضعه؛ و وجدت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) يثقل فى حجرى، فذهبت أنظر فى وجهه، فإذا بصره قد شخص و هو يقول: «بل الرفيق الأعلى من الجنة» [٣]؛ قالت: فقلت: خيرت فاخترت و الذي بعثك بالحق.
[١] انظر: السيرة (٤/ ٢٧٨).
[٢] انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٧/ ٢٠١).
[٣] انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٦/ ٢٧٤)، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (١٠/ ٢٨٨، ٢٩٣).