الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٢١ - حديث البويب و وقعة مهران
و كانت هزيمة المشركون، فاتبعهم المسلمون حتى انتهوا إلى نهر بنى سليم، ثم كروا على المسلمين و ركدت الحرب بينهم مليا، فلا يسمع إلا هرير الرجال، و قد كان أنس بن هلال النمرى قدم ممدا للمثنى فى أناس من النمر نصارى، و ابن مردى الفهرى الثعلبى فى ناس من قومه كذلك، و قالوا حين رأوا نزول العجم بالعرب: نقاتل مع قومنا، فلما طال القتال يومئذ و اشتد عمد المثنى إلى أنس بن هلال، فقال: يا أنس، إنك امرؤ عربى، و إن لم تكن على ديننا، فإذا رأيتنى قد حملت على مهران فاحمل معى، و قال لابن مردى الفهرى مثل ذلك، فأجاباه، فحمل المثنى على مهران فأزاله حتى دخل فى ميمنته، ثم خالطوهم، و اجتمع القلبان، و ارتفع الغبار و المجنبات تقتتل، لا يستطيعون أن يفزعوا لنصر أميرهم، لا المسلمون و لا المشركون، و قد كان المثنى قال لهم: إذا رأيتمونا أصبنا فلا تدعوا ما أنتم فيه، فإن الجيش ينكشف ثم ينصرف، فالزموا مصافكم و أغنوا عنا من يليكم، و أوجع قلب المسلمين قلب المشركون، و وقف المثنى حتى أسفر الغبار و قد فنى قلب المشركين، و المجنبات قد هز بعضها بعضا، فلما رآه المسلمون و قد أزال القلب و أفنى أهله قويت مجنبات المسلمين على المشركين و جعلوا يردون الأعاجم على أدبارهم، و جعل المسلمون و المثنى فى القلب يدعون لهم بالنصر، و يرسل إليهم من يذمرهم و يقول لهم: إن المثنى يقول لكم عادتكم فى أمثالهم، انصروا الله ينصركم، حتى هزم القوم.
و كانت راية الأزد مع عبد الله بن سليم، فجعل بتقدم بها، فقال له رجل: لو تأخرت قليلا، فقال:
أقسمت بالرحمن أن لا أبرحا* * * أو يصنع الله لنا فيفتحا
و قاتل حتى قتل، و تقدم أبو أمية عبد الله بن كعب الأزدى و هو يقول: اللهم إليك أسعى لترضى، و إياك أرجو فاغفر ذنبى، ثم تقدم فقاتل حتى قتل، (رحمه الله)، فحمل أبو رملة بن عبد الله بن سليم، و كانت عنده الرباب ابنة عبد الله بن كعب، فقتل قاتل عبد الله بن كعب و احتز رأسه، فأتى به ابنه، و هو غلام مراهق، فقال: دونك رأس قاتل أبيك، فعض الفتى بأنفه، و مر به رجل من بكر بن وائل يقال له عجل، فقال: يا فتى ما أشجعك على الأموات فحمى الفتى و اعترض العدو، فاتبعه عمه جندب و هو يقول: يا عجل، قتلت ابن أخى، فلحقه و قد قتل رجلا، فرده، و قتل حصين بن القعقاع بن معبد ابن زرارة، فأخذ الراية مولى لهم أو مولى للأزد يقال له خصفة، فقاتل حتى قتل، و دارت بينهم رحى الحرب، و أخذت جرير الرماح فنادى: وا قوماه، أنا جرير، فقاتلت عنه جماعة من قيس ليس معهم غيرهم حتى خلص، و شدت جماعة على مسعود بن