الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٠٢ - ذكر ما كان من خبر العراق فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، و ما كان من أمر المثنى بن حارثة معه، و ذكر أبى عبيد بن مسعود، على ما فى ذلك كله من الاختلاف بين رواة الآثار
أندبكم فتبطئون، و ينتدب غيركم فأؤمركم عليهم إنما فضلتم بتسرعكم، فإن نكلتم فضلوكم.
و عجل عمر، رضى الله عنه، المثنى، و قال: النجاء حتى يقدم عليك أصحابك. فخرج المثنى، و قدم الحيرة فى عشر، و لحقه أبو عبيد بعد شهر.
و فى كتاب المدائنى أن تحرك عمر لهذا البعث إنما كان بكتاب المثنى إليه، يستمده و يحرضه على أرض فارس، فذكر بإسناد له إلى جماعة من أهل العلم يزيد بعضهم على بعض: أن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، قال حين ولى: و الله لأعزلن خالد بن الوليد و المثنى بن حارثة ليعلما أن الله إنما ينصر دينه و ليس ينصر إياهما، فكتب إليه المثنى و هو بالحيرة: أنا بأرض فارس، و قد عرفناهم و غازيناهم و غلبناهم على بعض ما فى أيديهم، و معى رجال من قومى لهم صلاح و نجدة و صدق بلاء عند الناس و جرأة على البلاد، فإن رميتنا بجماعة من قبلك رجوت أن يفتح الله عليهم، قالوا: و لم تكن لعمر، (رحمه الله)، همة حين قام بأمر المسلمين إلا الروم و فارس، فلما أتاه كتاب المثنى بن حارثة خطب الناس، فحمد الله و أثنى عليه، و حثهم على الجهاد، و رغبهم فيه، و أنبأهم بما أعد الله للمجاهدين فى سبيله، و قال: أنتم بين فتح عاجل و ذخر آجل، و قد أصبحتم بالحجاز بغير دار مقام، و قد وعدكم الله كنوز كسرى و قيصر، و أنزل على نبيه (صلى اللّه عليه و سلم) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الفتح: ٢٨]، و قال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [التوبة: ٣٣]، فانهضوا لجهاد عدوكم من أهل فارس، فإن لكم بها إخوانا ليسوا مثلكم فى السابقة، و قد لقوهم و قاتلوهم فاستعدوا للمسير إليهم رحمكم الله وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:
٦٠]، و لا تركنوا إلى الدنيا، و استعينوا بالله و اصبروا.
فتثاقل الناس حين ذكر فارس. فقال عمر: ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ [التوبة: ٣٨]، فقام أبو عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة الثقفى، فقال: أنا أول من انتدب، ثم قام سليط بن قيس بن عمرو فقال: يا أمير المؤمنين، أنا ثان، ثم قام رهط من الأنصار، فسمى منهم نفرا. قال:
ثم تتابع الناس و كثروا و قالوا: يا أمير المؤمنين، أمر علينا رجلا، فقال: أؤمر عليكم أول من انتدب، فاستعمل عليهم أبا عبيد، و قال: لم يمنعنى من استعمال سليط بن قيس، و هو من أهل بدر إلا عجلة فيه، فخشيت أن يلقى المسلمين ملقى يهلكون فيه، و كان فيمن