الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٣٨ - ذكر فتح مصر
و كان عبد الله بن عمرو على المقدمة، و حامل اللواء يومئذ وردان مولى عمرو، فأصابت عبد الله بن عمرو جراحات كثيرة، فقال: يا وردان لو تقهقرت قليلا لنصيب الروح. فقال وردان: الروح أمامك و ليس هو خلفك. فتقدم عبد الله، و جاء رسول أبيه يسأله عن جراحه، فأنشأ يقول:
أقول إذا ما النفس جاشت ألا أصبرى* * * عليك قليلا تحمدى أو تلامى
فرجع الرسول فأخبره بما قال. فقال عمرو: هو ابنى حقا.
و صلى يومئذ عمرو صلاة الخوف، فحدث شيخ صلاها معه بالإسكندرية: أنه صلى بكل طائفة ركعة و سجدتين.
قال: ثم فتح الله على المسلمين، و قتلوا من الروم مقتلة عظيمة، و اتبعوهم حتى بلغوا الإسكندرية فتحصنوا بها، و كانت عليهم حصون لا ترام، حصن دون حصن، فنزل المسلمون ما بين حلوة إلى قصر فارس إلى ما وراء ذلك، و معهم رؤساء القبط يمدونهم بما احتاجوا إليه من الأطعمة و العلوفة، و رسل ملك الروم تختلف إلى الإسكندرية فى المراكب بمادة الروم.
و يروى أن عمرا أقام بحلوة شهرين ثم تحول إلى المقس، فخرجت عليه الخيل من ناحية البحيرة حيث كانت مستترة بالحصن فواقعوه، فقتل من المسلمين يومئذ بكنيسة الذهب اثنا عشر رجلا، و لم يكن للروم كنائس أعظم من كنائس الإسكندرية، و إنما كان عيد الروم حين غلبت العرب على الشام بالإسكندرية، فكان ملك الروم يعظم ظهور العرب عليها و يقول: لئن غلبوا على الإسكندرية لقد هلكت الروم، و انقطع ملكها، و تجهز للخروج إليها ليباشر قتالها بنفسه إعظاما لها، و أمر أن لا يتخلف عنه أحد من الروم، و قال: ما بقاء الروم بعد الإسكندرية؟ فلما فرغ من جهازه صرعه الله فأماته و كفى المسلمين مئونته. و كان موته فى سنة تسع عشرة، و قيل: سنة عشرين، فكسر الله بموته شوكة الروم.
و رجع جمع كبير ممن كان قد توجه إلى الإسكندرية، و استأسدت العرب عند ذلك و ألحت بالقتال على أهل الإسكندرية، فقاتلوهم قتالا شديدا، و خرج طرف من الروم من باب حصنها فحملوا على الناس و قتلوا رجلا من مهرة فاحتزوا رأسه و انطلقوا به، فجعل المهريون يتغضبون و يقولون: لا ندفنه أبدا إلا برأسه. فقال عمرو بن العاص: تتغضبون كأنكم تتغضبون على من يبالى بغضبكم، احملوا على القوم إذا خرجوا فاقتلوا رجلا منهم